المناط التاسع
(فِيْ سَبِيْلِ الله)
وهذا المناط هو عمدة البحث وجوهره، فمن وفق لتأمله وتدبره، ذهب عنه غمّ كثير، وأزاح عن بصره غشاوة تلبيس عسير.
فهذا المناط هو مناط النيّة، وهو من أبرز وأوضح المناطات تأثيرا على الحكم، إذ أن النيّة وصف قوي مؤثر ومتسلط على العمل ضمنا وحكما, ففي سبيل الله أي أن النيّة لله، وتكون على معنيين:
الأول: النية لله بإخلاص العبادة له، وتجريد القلب من التأله لغيره، وقطع حبال الوصل أن تنعقد بسواه، بتوجيه نواصي القلب للباري وحده، وإنزال مراكب الذل في أعتابه، وإنفاذ عقوده ومواثيقه ابتغاء مرضاته، ابتداءً بعقد اللسان بكلمة التوحيد، وانتهاء ببذل النفس والموت شهيدًا.
الثاني: النية التي هي شرط للعبادة، فلا يتم عمل حتى يسبق بنية، ووظيفتها هنا إحداث التمييز بين الأعمال التعبدية، والتفريق بينها بتأكيد قصدها في القلب.
فالمعنى الأول يدخل في حقيقة التوحيد، ويرتبط مباشرة بمفهوم لا إله إلا الله، والمعنى الثاني يدخل في مصطلحات الفقهاء وأهميته كشرط في العبادة, وعلى كلا المعنيين فالجهاد من أفضل العبادة، وسهمه رابح بفضل الله، وكل فرد من أفراد العمل الجهادي صحّ مسلكه شرعا، داخل يقينا في جنس العبادة المأمور بها، ما دام تسلط عليه وصف في سبيل الله، ففي الحديث المشهور، الذي عده بعض أهل العلم ثلث الدين، عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ... ) . [1]
ففيه تأصيل عظيم لقاعدة جليلة: أن كل عمل مرهون بنيته، ومرتبط بها، ولقوله إنما الأعمال
(1) - رواه البخاري (1) ومسلم (3530) عن عمر بن الخطاب وهو حديث فرد عدّه أهل العلم من أصول الدين، راجع كلام ابن رجب الحنبلي عليه في جامع العلوم والحكم.