الصفحة 5 من 19

و اَلْحَظْ بتمعُّنٍ و تدبر [لعبادنا] و [عبادي] تجد في ثناياها خالص التجرد بالعبودية لله _ تعالى _، فلما جردوا التعبد لله و أخلصوه له؛ فلم يجعلوا في قلوبهم ميلًا _ و لو قليلًا _ لغيره أثابهم منه فتحًا و نصرًا و تمكينًا.

و لذا نرى أن الأمة قد يَتَخَلَّفُ عنها النصر بسبب تعلُّقها بغير الله _ تعالى _، بل بتعلُّق الأمة بقوتها، و اعتدادها بعتادها و عُدَّتها، و اغترارها بشجاعة فرسانها.

و هذا من صُوَر صرف التعبُّد لغير الله _ تعالى _ و غيرها في صفوفنا كثير، فلا عجبَ أن تخلَّف النصر عنا و حلَّت الهزيمة بنا.

إنه ما ذل عبد لله _ تعالى _ إلا ازداد بتمام الذلة رفعة و علوًا، و ما استنكف أحد عن التذلل لله _ تعالى _ و اتبع نفسَه _ ذليلة _ غير الله إلا زاده الله وهنًا و خسارة.

ثم _ أيضًا _ هل يُظَنُّ بالكريم أن يخذل عبده _ الذي ما فتيء يسعى في طلب مرضاته، و نيل محبته _ في ساعة الشدائد و الضيق، و ساعة العسرة التي يكاد أن يطير فيها قلبه لولا ربط الله _ تعالى _ عليه.

و للعبودية في ساعات الشدة أثر بالغ و كبير في قرب الفرج، و بُدُوِّ أمارات النصر.

فهذا رسول الله (صلى الله عليه و سلم) كان إذا حَزَبَه أمرٌ فزَعَ إلى الصلاة.

و جعل خير العبادة ما كان في زمن الهرج و المرج.

و حاله يوم بدر أكبر شاهد على ذلك؛ فقد جأر بالدعاء و اشتدَّ ابتهاله و تضرُّعُه لربه و تذلله بين يديه، سائله أن يُعَجِّلَ بنصره الذي وَعَدَه إياه.

و هذه هي التي يُسْتَجْلَبُ بها نصر الله _ تعالى _، و بدونها؛ و حين تخلُّفها و عدم الإتيان بما أراده الله و طلبه فهيهات أن ينصر من أعرض عن دينه و لم يتبع هداه الذي جاء به رسوله (صلى الله عليه وسلم) ، و اتبع ما أجلب به الكفار من حياة قِوَامُها على الرذيلة، و المعصية، بل ترك الشريعة _ كلها _.

فعمود النصر التجرد لله _ تعالى _ بالعبودية؛ التي هي: تمام الذل له، و كمال المحبة له، ومنتهى الانقياد و الاستسلام لدينه و شرعه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت