ما ذكرنا الَّذي ذكرنا أعلاه، توهينًا للهمم، وإضعافًا للنفوس، بل المؤمن التقيُّ، والبطل المجاهد، والرجل الحرُّ، يدفعه حال الأسرى دفعًا إلى الدفاع عنهم، والحرص على إخراجهم وإنقاذهم.
أمَّا مُخنَّثُ العزيمة، رديء النفس، ساقط الهمَّة، الخوَّار الجبان، والرعديدةُ الفرِق؛ فإنَّه يجد في هذه القصص سلوةً لنفسِه، ومخرجًا عن الواجب عليه، بالتَّذرُّع ببطش الطَّاغوتِ وزبانيتِه، وعظيم فساده وأذيَّتِه، فيهرب عن حكم الله بهذا، ويفعل فعل من قال الله فيهم: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) .
وإنَّ النَّفس المتحقِّقَة بالشريعة، المتنزّهة عن المنزلة الوضيعة، لتُحرِّكها هذه الوقائعُ إلى أمرين:
الأول: أنْ لا تستسلم لهذا مهما كانت الحال، بل تستعدُّ وتُعدُّ، وتذبُّ العدوَّ وتدفعُهُ وتُقاتلُهُ حتَّى يدفع الله شرَّه، أو تنال الشهادة في سبيل الله.
والأمر الثاني: أن تسعى لفكاكهم واستخلاصهم، وتستنَّ في هذا بكليم الله موسى، حين أرسله الله عزَّ وجلَّ إلى فرعون فقال له: (فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرائيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ) ، ففيه أمران: إرسالهم وإطلاقهم ليذهبوا معه حيثُ شاء الله، ورفع العذاب والنَّكال عنهم؛ فأنجاهم الله عزَّ وجلَّ به بعد سنينَ من الذِّلَّة والهوان والبلاء العظيم.
على أنَّ ما حكاه الله لنا من بلاء فرعون، ومن وعيدِه أهونُ بكثيرٍ مما يلقاه إخواننا على أيدي فراعنةِ الوقتِ نايفِ بن عبد العزيز وإخوانه وأعوانه، وغيره من الفراعنة في مصر والشام واليمن وباكستان وفي أنحاء الأرض.
فكان غاية بلاء فرعون مما عرفناه: أنَّه يُذبِّح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وغاية وعيده: أن يقطّع أيدي السحرة وأرجلَهُم من خلاف، ويصلّبهم في جذوع النَّخل.