كأنّني الآن أنظر إلى موقفين، متشابهين في الظَّاهر، مع الاختلاف العظيم بينهما في الباطن:
أحدهما: ما اتفق عليه الشَّيخان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "ما من أحد من أهل الجنة يتمنَّى أن يعودَ إلى الدُّنيا وله ما على الأرض من شيءٍ، إلاَّ الشَّهيد فإنَّه يتمنَّى أن يرجع إلى الدنيا فيُقتل عشر مرَّاتٍ؛ لما يرى من الكرامة".
والثاني: من استسلم لعدوِّه وسلَّم نفسه إليه، فوقع في عذابٍ أليمٍ، وتمنَّى فيه رسول الموت أن يزوره، ولات حين ممات.
فكلاهما: يتمنَّى أن يعود إلى حيثُ يستطيع أن يُقاتل حتَّى يُقتل، وكلاهما يتمنَّى أن يُقتل عشر مرَّات.
ولكنَّ الشهيد يتمنَّى ذلك لما يرى من الكرامة، والمستسلم يتمنَّى ذلك لما يرى من الهوان، الشهيد رأى فضل الشهادة فتمنَّى القتل لتكرارها، والمستسلم رأى غبَّ الاستسلام فتمنَّى القتل للخلاص منه.
فلينظر المجاهد لنفسه ما دام أمره في يده، وليعلم أنَّ كلَّ دافعٍ يدفعُهُ لتسليم نفسه، والاستسلام لعدوِّه، والنُّزول عند حكمه، سيكون حسرةً عليه، وموجبَ ندامةٍ حين لا تنفعه النَّدامة.
فمن استسلم خوف القتل، لم يأمن أن يناله أمرُّ من القتل وأشدُّ وأنكى ثمَّ يُقتل بعدها بحكم قاضٍ ملقَّنٍ ما يحكم به، ومن استسلم خوف الألم والجراحة، لم يكن بمنأى عن ألمٍ أشدَّ وأعظم، تحت سياط المباحث، وآلاتِ تعذيبِهِم.
هذا غيرُ ألمِ النَّفسِ الَّذي ينالُهُ حينَ يعلمُ أنَّ عمليَّة كذا وكذا، ما أفسدها إلاَّ استسلامُه، وأنَّ فلانًا وفلانًا من المجاهدين، ما قُبض عليهم إلاَّ باعترافه، وأنَّه كان قادرًا على أن يبتعد عن كلِّ هذا فلم يبتعد، متمكّنًا من النجاةِ بنفسِهِ وإخوانه الَّذين أوبقَهُم، فلم يفعل.