إذا طلبك عدو الله، فلا تأل في الفرار والاختفاء عن عين عدوِّك جهدًا، واستنَّ بمن فرُّوا من قبلك: بموسى حين فرَّ من فرعون واختفى عنه، وبمحمد صلى الله عليه وسلَّم حين اختفى عن قريشٍ: في دار الأرقم بن أبي الأرقم أخفى مجالسه مع المؤمنين، وفي الغار حين خرج مع أبي بكرٍ الصديق، وفرَّ عنهم يوم الهجرة.
ثمَّ استنَّ بمن بعدهم ممَّن فرَّ واختفى، فقد كان الزُّهري الحافظ عالمُ المدينة يعزمُ على الفرار إلى بلاد الرُّوم متى تولَّى الوليد بن عبد الملك، واختفى الحسن البصري وغيره زمن الحجاج، حتَّى ألَّف من ألَّف كتابًا في "المتوارين"، واختفى أحمد بن حنبل، وجماعاتٌ من السلف زمن فتنة خلق القرآن.
وما زال الاختفاء والفرار، حتَّى سنَّ الاختفاء اليوم المشايخ: ناصر بن حمد الفهد، وعلي بن خضير الخضير، وأحمد الخالدي، وعبد الله الرشود، وغيرهم.
فإن ضُيِّقَ عليك، وما استطعتَ الفرار، فارفع السِّلاح وقاتلهم، وادفع الصائل عنكَ، ثمَّ إن شئتَ فقاتلتهم مستقتلًا واطلب الشهادة أو النصر، وإن شئتَ فتحرَّف لقتالٍ أو تحيَّز إلى فئة، وانظر ما يأمرك به أميرك، فإن أمرك أن تحرص على الانسحاب فافعل، وإن أمرك أن تُثخن فيهم فأثخن حتَّى لا يصل إليك المرتزقة إلاَّ وقد أعذرتَ.
وقد سبقك في هذه المجاهدون من قديمٍ وحديث، فسلفُك عاصم الَّذي حمتهُ الدُّبُر، ومن بعده إلى اليوم، ألا ترى العالم المجاهد يوسف العييري، كيف أثخن في عدوِّه وجاد بنفسِهِ، وما قُتلَ حتَّى قتل من عدوِّه من قتل؟
أوما ترى البطل: تركيًّا الدندني، ومن معهُ من المجاهدين، ما قُتلوا حتَّى أثخنوا في المرتزقة، فما نالوا دماءهم رخيصة؟
ألا ترى المجاهد أحمد الدخيل، ومن معه حين اجتاحتهم الأعداد الكبيرة، وهم صامدون صابرون ثابتون، فلم يوصل إليهم وفيهم عينٌ تطرف؟