ففي هذه الصورة التي فيها الرُّخصة، الأفضل بالاتّفاق هو الأخذ بالعزيمة، وعدم الاستسلام لكافر، لما في الاستسلام من المفاسد العظيمة، قال الشهيد يوسف العييري رحمه الله: "ولأن استسلام المجاهد مع ما فيه من الانهزام وشيء من الذل وما فيه من كسر قلوب المسلمين، وثلمةٍ في موقف المجاهدين، وما فيه من سرور العدو وغبطته وشماتته بالمجاهدين والمسلمين عامة ورفع معنوياته، مع ما في الاستسلام من جميع تلك المفاسد إلا أنه أيضًا لا يحقق للمستسلم ما خاف على نفسه منه وهو الموت فإنه سيصبر إلى قِتلة أشنع وأذل مما سيقتل عليها لو لم يستسلم هذا إن لم يمر قبل ذلك على التعذيب والتنكيل وانتزاع المعلومات التي قد تضر غيره" اهـ
والحاصل: أنَّ فعل الصحابة الّذي بلغ النبي صلى الله عليه وسلَّم فلم ينكر دليلٌ على جواز هذا وهذا، في حقِّ من كانت حاله حالهم، فهم عاجزون عن الفرار، فما لهم إلاَّ القتل أو الأسر، كما أنَّهم لم ينزلوا على حكم المشركين، بل نزلوا بأمانٍ وميثاقٍ، فهو من جنس المواثيق الجائزة، وليس فيه إلاَّ جريان حكم الكافر عليهم، فالرُّخصة المذكورةُ في ارتكاب هذا المحظور من علوّ الكافرين عليه، لا فيما زادَ مما هو مقتضٍ للتحريم باستقلاله.
فلا يجوزُ له تسليم نفسه لكافرٍ إلاَّ حين: يعجز عن الفرار، ويأمنُ الفتنة عن دينه، ولا يخشى إفشاء أسرارٍ تضرُّ المجاهدين، ويستوثقُ بأمانٍ لنفسه أو يأمنهم في غالب ظنِّه.
فمن كان يستطيع الفرار وكانت لديه عورات المجاهدين وأسرارهم، مع كونه لا يأمن في غالب ظنِّه أن تُستخرجَ منه بتعذيبٍ أو سِحْرٍ، فلا يَجوزُ له أن يُسلِّم نفسه، بل مثل هذا يجوز له قتلُ نفسه فيما أفتى به الشيخُ محمّد بن إبراهيم وغيره، وأشرتُ إلى طرفٍ من أدلَّتِهِ في نبذةٍ في العمليَّات الاستشهاديَّة؛ فكيف يُجمع بين جواز قتله نفسه لخطورة الأسرار، وجواز تسليمه نفسه والمخاطرة بهذه الأسرار؟