ثمَّ ليتأمَّل أنواع الفتنة التي سيُبتلى بها في السجن، والسجن في نفسه فتنة، عدا ما فيه من فتن الرغبة والرَّهبةِ، وقد رأى الإخوة المجاهدون تغيُّر من تغيَّرَ دينُهُ ومنهجُهُ ومبادؤه التي كان عليها، لا لدلالةٍ ظهرت له ولم يكن يفهمها، أو حجَّةٍ علمها بعد أن لم يكن يعلمها، بل تراه يتكلَّم بلا حجَّة ولا برهانٍ، ويبني أقواله على ما لا يعتقدُهُ، وما هي إلاَّ الفتنة، نسأل الله الثباتَ والهداية والسداد.
ومتى طُلبَ المجاهد ليُفتن في دينه، كان عليه الفرار ما استطاع، والدفع ما قدر على الدَّفع، وقد بوَّب البُخاريُّ في صحيحه: بابٌ من الدين الفرار من الفتن، وذكر فيه حديث: يوشك أن يكون خير مال المسلم غنمًا يتتبعُ بها شعف الجبال.
وقد خشيَ الفتنةَ على نفسِهِ من هو خيرٌ منكَ، بل قد خشيَها إبراهيم عليه السلام حين قال: واجنبني وبنيَّ أن نعبدَ الأصنامَ، قال بعض السلف: ومن يأمن البلاء بعد إبراهيم؟
ففرَّ، واختفِ، وقاتِل، وادفع عن نفسِك: ولا تستأسِر.