وقد رأينا من جورهم سجنهم من سُجن من المشايخ والدُّعاة والمصلحين ومن معهُم عام 1415، بلا تهمةٍ، ولا محاكمةٍ، ثمَّ اشتراطهم على من خرج التعهُّد بالسُّكوت، وما خرج سعيد بن زعير إلا قريبًا، وفي السجون غيره ممن لم يحاكم ولم يحكم فيه: كأبي سُبيعٍ وليدٍ السِّنانيِّ فكَّ الله أسره، وثبَّته وأعظم أجره، وإن كانت جنايتهم على الأبدان بالسِّجن قد انتهت في كثيرٍ ممن سُجن؛ فإنَّ جنايتهم عليهم بتغيُّر المبادئ والأقوال، بل والأخلاق لم تنتهِ بعدُ، وقد رأينا من كثيرٍ منهم عجبًا بعد خروجهم، فاستحلُّوا الكذب واستسهلوه حتّى حُفظت عنهم كذباتٌ لا تأويل لها، ووالوا الطاغوت الذي كانوا يسمّونه طاغوتًا ويشهدون عليه بذلك، وتبرؤوا من الموحّدين المجاهدين، وعابوهم في العلن على ما يحرّضونهم عليه في السِّرِّ، وهؤلاء مبدأ أمرِهِم أنَّهم سجنوا على طاعةٍ فعلوها، وبلا محاكمةٍ دخلوها، وآخر أمرِهِم أنَّهم تعهَّدوا حين خرجوا بالسكوت عن الواجبات التي كانوا بها قائمين، ثمَّ زادوا محاربةَ الجهاد والمجاهدين، وتبديل شرائع الدين.
فإذا طُلب المجاهدُ فليتأمَّل هذا، وأنَّه مطلوبٌ لأنَّه قام بفرض الله عليه، ولو كان الجهادُ نافلةً من النوافل كان من الكُفر العظيم ذمُّهُ، فضلًا عن العقوبة عليه، فكيف وهو فرضٌ واجبٌ على الأمَّة؟ ثمَّ كيف في زمانِ تعيُّنِهِ مع قلَّة القائمين به؟! ثمَّ هو مع هذا لن يحَاكم، وإن حُوكم حُكِمَ بعقوبته على تلك الفريضة التي قام بها.