الصفحة 6 من 31

فانظر كيف امتدحهم عمرو رضي الله عنهم، بالامتناع من ظلم الملوك والإباء، وفي لفظٍ من ألفاظ الحديث: وأقلُّهم صبرًا على جور الملوك، وانظر كيف لم ير ذلك مخالفًا لحلمهم عند الفتنة.

والاستدلال بحديث: "اسمع وأطع وإن أخذ مالك وجلد ظهرك"، غلطٌ فاحشٌ ولو تُنزِّل بالتسليم بإسلام هؤلاء الحكَّام، فليس في الحديث الأمر بتسليم المال والنفس إليه، ولا في المقاتلة دون المال مخالفةٌ للسمع والطاعةِ، فإنَّه يُسمع ويُطاع في غير معصيةٍ، ويُعطى ما هو حقٌّ له دون ما ليس له بحقٍّ، ونظيرُهُ بلا فرقٍ: قوله صلى الله عليه وسلم: وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، وإن كان عبدًا حبشيًّا، فليس في الحديث إعانة العبد على الإمارة، أو السعي في تحصيله لها، أو تركه يأخذها مع وجود الحر المستوفي للشروط، وإنَّما فيه أنَّ الطاعة تلزم له متى تأمَّر، وقوله: وإن جلد ظهرك وأخذ مالك، ليس فيه تمكينه من شيءٍ من ذلك، وإنَّما فيه التخويف من الخروج عليه لهذا الأمر، والنهي عن إسقاط الولاية به، والخروج لا يكون إلاَّ عند رؤية الكفر البواح على الصحيح.

والمجاهد يكفيه أن يعلم أنَّهم حين يطلبونه إنما يطلبونه ليعاقبوه على ما هو طاعةٌ لله لا شكَّ فيها ولا ريب، بل على ما هو فرضُ عينٍ متحتِّمٌ عليه، ثمَّ هم لا يحكمون في كثيرٍ من السجناء أصلًا، ويُسجنون الشُّهور الطّوال ظلمًا وجورًا، ويحمّلون تحت وطأة التعذيب ما لم يفعلوه كذبًا وزورًا، ثمَّ يحكم فيهم بعد كلِّ هذا بغير حكم الله الذي شرعه، بل بما يقترحه المدعي العامّ مندوبُ وزارة الداخلية، وما يراه القضاة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت