ولو فرض جدلًا أنَّ من طلب المجاهد حكومةٌ مسلمةٌ، وتُعُوميَ عن النواقض العظام التي ارتكبتها، وعن كونها لا تزيد عن وكيلٍ لأمريكا يطارد الناس تعبّدًا لها، لو تعومي عن هذا كلِّه؛ فإنَّ المطلوب لا يلزمه تسليمُ نفسه لكلِّ أحدٍ، ولو كان الحاكم، متى علم أنَّ طالبَهُ ظالمٌ، فلو أنَّ أحدًا جاء يُريد أخذ ماله ظلمًا كان له أن يُقاتله بنصِّ حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيح إذ جاءه رجلٌ فسأله: أرأيت لو أنَّ رجلًا جاءني يُريد أخذ مالي؟ قال: فلا تعطه. قال: فإن قاتلني؟ قال: قاتله. قال فإن قتلني؟ قال: فأنت شهيد. قال: فإن قتلته؟ قال: فهو في النار.
فالمسلم عزيزٌ بعزَّة الإسلام، حرٌّ من رقِّ غير الله، فمن دعاه إلى الاستسلام لله والانقياد لحكمه؛ جاءه طائعًا مختارًا، ومن دعاه إلى ملك فلان وسلطانه، وجبروت فلان وطغيانه، لا إلى حكم الله وشريعته؛ لم يلزمه تسليم نفسه والاستسلام له، فهو لا يسلم ماله إلاَّ بحقِّه؛ فكيف بنفسه؟
أقسمت: إمَّا أن أعيش بعزةٍ بكرامتي، أو أن تُدَقَّ عظاميا
وقد مدح عمرو بن العاص الروم بخصلةٍ، يراها كثيرٌ من الناس اليوم خروجًا على الحكّام وإحداثًا للفتنة، والفتنة عندهم كلُّ ما لا يحبُّه الطاغية الظالم الجائر، فضلًا عن الحاكم المرتدِّ الكافر، فجاء في صحيح مسلم أنَّ المستورد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تقوم الساعة والروم أكثر الناس"، قال عمرو بن العاص: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، قال عمرو: لئن قُلتَ ذلك إنَّ فيهم لخصالًا أربعةً: إنَّهم لأحلم الناس عند فتنةٍ، وأسرعهم إفاقةً بعد مصيبة، وأوشكهم كرةً بعد فرّةٍ، وخيرهم لمسكينٍ ويتيمٍ وضعيفٍ، ثمَّ قال: وخامسةٌ حسنةٌ جميلةٌ: وأمنعهم من ظلم الملوك.