بل قد حدثتني جدتي الشريفة نفيسة بنت الزمزمي الكتانية أن كثيرًا من نساء البوادي في المغرب كن يقلن: «إن الصلاة ما كنا نعرفها و لا يعرفها آباؤنا حتى أدخلها لنا الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني!!» . و هذا في أوائل القرن الرابع عشر!!
و كذلك يذكر الشوكاني في رسائله عن بوادي اليمن أنهم عادوا للجاهلية الأولى.
و هو ما ذكروه عن بادية نجد زمن الإمام ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. فلما ظهر الشيخ جدد الله به قرونًا. فإنه منذ وفاة شيخ الإسلام ابن تيمية سنة 728 هـ بدمشق الشام، لم يظهر عالم مجدد بهذه القوة و التأثير.
و ابن تيمية كانت قوته، رحمه الله، من قوة حجته و مواقفه الكبيرة، لكن دعوته لم تنتشر كثيرًا، لشدة من حاربه، مع عدم وجود دولة ناصرة و مال ينشر الفكر.
و مصداقًا لقول النبي - صلى الله عليه وسلم: «إن الله يبعث لهذه الأمة على ٍرأس كل قرن من يجدد لها دينها» . فقد ظهر مجددون كبار قبل ابن عبد الوهاب، و كل من أنصف يتبين له أنهم تأثروا بابن تيمية، بل ابن عبد الوهاب نفسه مزيته أنه أحيا منهاج ابن تيمية و نصره و نشره.
فقد ظهر في اليمن الإمام السيد محمد بن إبراهيم الوزير المتوفى سنة 840 هـ و ظهر غيره.
و لعل أقوى حركة تجديدية ظهرت قبل ابن عبد الوهاب هي حركة الإمام الشاه أحمد ولي الله الدهلوي، إمام أهل الحديث بالهند. غير أن تأثيرها كان محدودًا بالهند و ما حولها و منهاجها لم يكن على محض السنة البيضاء.
و ظهر باليمن الصنعاني ثم الشوكاني، و لكن يقال فيهما ما قيل في حركة الدهلوي.
و قد تقدم معنا كلام القاضي الشوكاني في «البدر الطالع» من أن النجديين ما دخلوا قرية إلا أقاموا فيها شرع الله و أمروا الناس بالصلاة و الزكاة و الانتهاء عن المنكرات. بل أمروهم بالصلاة جماعة في المساجد و شددوا عليهم في ذلك. وكذلك نهوا عن التبرج و الاختلاط و تدخين الدخان، و عزروا على ذلك بالجلد.
فهذا إحياؤهم لشعائر الدين و إقامتهم له.
2.تجريد التوحيد: من أعظم ما ركز عليه النجديون مسألة تجريد التوحيد لله تعالى و محاربة الشرك. و من أجل ذلك صنف الشيخ كتابه «التوحيد الذي هو حق الله على العبيد» و صنف للعوام جملة من الكتب مثل «الأصول الثلاثة» و «كشف الشبهات» و «نواقض الإسلام العشرة» و «مسائل الجاهلية» و «مختصر السيرة النبوية» و «مختصر زاد المعاد» . و كان العامة يحفظون ذلك عن ظهر قلب، حتى ترسخ عندهم حب التوحيد و بغض الشرك.
و قد حدثني صديق لي من تلك البلاد عن مشايخهم أن المتقدمين لما كانوا في دروسهم يسمعون مظاهر الشرك يبكون بكاء مرًّا غيرة على الله أن يشرك به سبحانه.