القرون المتأخرة لا يشددون فيها، ثم يأتي عالم أو طالب علم فينصح الناس فينكرون عليه إما لأنه لم يحسن أسلوب النصح أو لم يحسن في توضيح حجته، أو لأن مقابله له حجج و شبه لم تحل، أو يقلد عالمًا كبيرًا على خطئه، أو عنده غباء و بلادة لم يفهم معها الحجة.
فكيف يقال مع هذا إن مجرد قراءة القرآن كافية في إقامة الحجة؟!! هذا ما قاله أحد من قبل، فإنه لا يوجد أحد من المسلمين ينكر القرآن، إنما الشأن في فهم حجته و دلالته على المطلوب.
و أما الذين ينكرون العذر بالجهل في أصل الدين فهؤلاء قد خالفوا منهاج أهل السنة و الجماعة، فإن أول من قسم الدين إلى أصول و فروع هم المعتزلة ثم تابعهم المتكلمون الأشاعرة و غيرهم.
أما أهل السنة فقد نصوا على أن كل من أخطأ عن اجتهاد مع بذل وسعه في معرفة الحق، أو قلد إمامًا لكونه ليس من أهل الاجتهاد، فهو معذور، و قد نقل ذلك الحافظ أبو محمد ابن حزم الأندلسي في «الفصل في الملل و النحل» عن جماعة من السلف صحابة و تابعين و أئمة، و كذلك قرر ذلك أبو العباس بن تيمية في جملة من كتبه و أبدى في ذلك و أعاد. و سأنقل عنه ما تحت يدي من نصوص بحول الله حتى أوضح مخالفته لمنهج النجديين الذين يزعمون إتباعه، و كذلك لمنهج الغلاة المعاصرين الذين ينتحلون طريقته و هم أبعد الناس عنها.
و قد ثبت في «صحيح مسلم» و غيره أن رجلا كان مسرفًا على نفسه، فلما حضرته الوفاة أمر أولاده أن يحرقوه و يذروه في الرياح، و قال لهم: و الله لو قدر الله علي ليعذبني. فأمر الله سبحانه بجمع ذرات الرجل، ثم أحياه، فقال له: ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: الخوف منك يا رب. فغفر الله له و أدخله الجنة.
فهذا رجل شك في قدرة الله على إحيائه بعد موته، بل إنه ظن أنه لن يبعث بعد الموت و سيفر من الله تعالى، و مع هذا غفر الله له و أدخله الجنة.
و قد قال ابن تيمية إن هذا الحديث من أرجى الأحاديث لأهل الأعذار، و هو واضح في العذر بالجهل في أصل الدين و في أصل التوحيد، و من تأوله بخلاف ظاهره فقد أخطأ كما بين ذلك ابن تيمية و غيره من أهل العلم.
و ثبت في السنن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صلاة و لا صيام، حتى يبقى الشيخ الكبير و المرأة العجوز، يقولون: أدركنا آباءنا يقولون لا إله إلا الله فنحن نقولها. و ثبت أنها تنفعهم يومًا من دهرهم» . و الحديث صححه جماعة من أهل العلم، و من ضعفه بأبي معاوية الضرير فلم يصب.
فأين هذا من كلام ابن عبد الوهاب في جملة من كتبه من أن من نطق بكلمة التوحيد و هو لا يفهم معناها فهو كافر؟! و قد ذكر ذلك في «نواقض الإسلام العشرة» .
و الحق أن كلام ابن عبد الوهاب نفسه في العذر بالجهل مضطرب فتارة تجده يصرح بإنكار العذر بالجهل كما في مواضع من مسائله على كتاب «التوحيد» ، و تارة له كلام صريح