أما الدولة الثانية فدخلها الهوى و القتال على الملك تارة بين آل سعود أنفسهم، و تارة بينهم و بين آل رشيد الذين لم يكونوا أعداء للدعوة، لكن كانوا موالين للعثمانيين، و كان قضاتهم في الغالب من مشايخ النجديين.
الثانية: عوام النجديين من المقاتلين كان عندهم غلو كبير في الدين، و كثيرًا ما كان ينكر عليهم العلماء سفك الدماء بغير حق و تكفير من لا يستحق التكفير. و من ذلك أن عددًا منهم في العهد الأخير ربما كفروا من يلبس العقال و يترك العمامة التي كانت شعارهم، حتى صنف ابن سحمان و غيره رسائل في نصحهم و إرجاعهم عن الغلو في الدين.
الثالثة: بعض ملوك السعوديين دخلوا في طاعة العثمانيين و تركوا قتالهم مثلما فعل عبد الله بن فيصل بن تركي.
الرابعة: تغيرت لهجة كثير من نجديي العهد الثالث شيئًا فشيئًا للاعتدال و ترك التكفير من غير موجب خاصة بعد مخالطة جماعة منهم لعلماء الحجاز و مصر و غيرهما و سفرهم و توسع مداركهم، و تأثرهم بكتب ابن تيمية بعد جمعها و انتشارها.
و من أكثر النجديين اعتدالًا و رقة في كتاباته و بعدًا عن الردود العنيفة أبو عبد الله عبد الرحمن بن ناصر السعدي، رحمه الله تعالى، و لذلك انتفع به خلق من الناس، و هو حبيب إلى قلبي.
الخامسة: و إذا كان الشيء بالشيء يذكر و قصدنا من هذه الكتابات النصح للمسلمين المعاصرين، و خاصة دعاة السنة و الجهاد، فإن ما يفعله العديد من المتحمسين لنصرة الدين و الجهاد في سبيله، من تفجيرات عشوائية في بلاد المسلمين التي ليس فيها جنود احتلال أجنبي، أو فيها و لكن يذهب عدد من المسلمين قتلى، فهذا داخل دخولا ما فيما ننكره ههنا. لأسباب:
••الأول: ما فيها من قتل معصومي الدم دونما وجه حق و لا يجوز أن يقال بمسألة التترس التي يذكرها الفقهاء، لأنهم لا يلتزمون بكامل شروطها المذكورة في كتب الفقه.
••الثاني: ما تجلبه من شناعة على أهل الإسلام و تشوه سمعتهم بما ينفر منهم عامة المسلمين. و قد ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل جماعة من المنافقين: «حتى لا يقول الناس إن محمدًا يقتل أصحابه» كما ثبت في السنة.
••الثالث: أن فيها ضررًا عظيمًا للدعوة الإسلامية و محنة كبيرة بتسلط الظلمة عليهم سجنًا و تعذيبًا و إرهابًا و تضييقًا.
و بعد ذلك كله فقد تقرر في الشرع أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، و أن تغيير المنكر لا يجوز إذا ترتب عليه منكر أكبر منه.
و هذا ما قرره أغلب العلماء المعاصرين الذين لهم قدم صدق عند المسلمين.
أما المجاهدون الذين يدفعون عن ديار الإسلام احتلال أعداء الدين من الكفار كاليهود و الصليبيين و غيرهم، فعليهم أن يراعوا الله في دماء المسلمين حتى لا يتحول جهادهم الذي يشفون به صدور قوم مؤمنين شفاء لصدور أعداء الله الكافرين