غير أن قوانينه هذه لم تسر على جميع أقاليم الدولة، إنما طبقت في محاكم بلاد الأناضول وما قرب منها. واستنكرها جماعة من العلماء. وكان ذلك سببا في قلاقل وفتن عظيمة.
لكن كان بعض السلاطين الصالحين يحاولون إرجاع الهيبة للشرع من جديد كما فعل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله تعالى، فإنه قاوم فكرة الدستور العلماني بشدة، وطرد الوفد اليهودي الذي ساومه على فلسطين، فكان جزاؤوه أن خُلع من الملك.
وكان نتيجة هذا كله: انتهاء الدولة العثمانية سنة 1344 هـ، تماما، وإلغاء الخلافة على يد الطاغية كمال أتاترك لعنه الله.
أما المغرب؛ فلم يحدث فيه شيء من ذلك، فقد كان خارج نطاق الخلافة العثمانية، وكان سلاطينه يرون أنهم هم خلفاء المسلمين، لحيازتهم النسب القرشي الذي هو شرط في الخلافة، خلافا للأتراك.
ولما وقع سلطان المغرب عبد الحفيظ بن الحسن بن محمد بن عبد الرحمن العلوي عقد الحماية مع فرنسا سنة 1330، كان من شروطه: الحفاظ على الشريعة الإسلامية واحترامها، وأنها تحت نظر السلطان الذي هو أمير المؤمنين.
لكن النصارى أعداء الله كما قال الله تعالى عنهم وعن سائر أصناف الكفار: {إنهم لا أيمان لهم} ، فإنهم بمجرد ما استتب لهم الأمر عطلوا الحدود، غير أنهم تركوا المحاكم تحكم بمقتضى مشهور مذهب الإمام مالك في سائر الأمور.
وكان كثير من أهل البوادي والجبال من العرب والبربر في جاهلية جهلاء، ويحكمون بأعرافهم الجاهلية، فأراد الفرنسيون، دمرهم الله تعالى، أن يحدثوا فتنة في البلاد بين العرب والبربر فاستحدثوا"الظهير البربري"سنة 1350 هـ، الذي يجيز لمناطق البربر الخروج عن الشرع والتحاكم لأعراف الجاهلية. فقام العلماء ومعهم رجال الحركة الوطنية، وأغلب قادتها من العلماء الشباب، و اشتد نكيرهم على ذلك واعتبروه نقضا لمعاهدة الحماية.
ولما استقل المغرب سنة 1376 هـ عن فرنسا، تقرر توحيد المحاكم المتفرقة بين محاكم مدنية وعسكرية، مغربية وفرنسية، تحت محكمة واحدة لها قانون واحد، فاحتدم النقاش بين تيارات علمانية داخل الحركة الوطنية تنادي باقتباس قانون علماني مثل القانون الفرنسي، وأخرى إسلامية تنادي بالعمل بالشريعة الإسلامية، وأنه لا استقلال حقيقي دون الرجوع للشرع.
فكان أن أمر السلطان محمد بن يوسف (محمد الخامس) بإنشاء لجنة من العلماء تكتب مدونة للقانون مستمدة من الفقه الإسلامي، فلما أنجزت قسم الأحوال الشخصية أوقف عملها!.
ولما مات السلطان سنة 1380 هـ، قرر خلفه الحسن بن محمد بن يوسف (الحسن الثاني) تطبيق قانون فرنسي وإلغاء عمل لجنة العلماء.