الصفحة 17 من 51

(وفي نفي الله جل ثناؤه ذلك عن حكم كتابه، أوضح الدليل على أنه لم ينزل كتابه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، إلا بحكم واحد متفق في جميع خلقه، لا بأحكام فيهم مختلفة .... مع أن في قيام الحجة بأن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يقض في شيء واحد، في وقت واحد بحكمين مختلفين، ولا أذن بذلك لأمته، ما يغني عن الإكثار في الدلالة على أن ذلك منفي عن كتاب الله.) تفسير الطبري - (1/ 44) .

لكن توهم التعارض قد يقع من بعض الاشخاص، لأن الأفهام تتنوع وتتفاوت، فما يبدو تعارضا لشخص قد لا يبدو لغيره أنه تعارض ..

روى ابن أبي حاتم في تفسيره:

(عن عبد الرحمن بن زيد بن اسلم قال: سمعت ابن المنكدر يقول: وقرأ: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} ، فقال: انما ياتي الاختلاف من قلوب العباد، فاما ما جاء من عند الله فليس فيه اختلاف.) تفسير ابن أبى حاتم ـ (3/ 1014) .

ولهذا كان أحسن التفسير وأبينه هو: تفسير القرآن بالقرآن، لأن القرآن يُصدِّق بعضه بعضًا، ويُفسر بعضه بعضًا، فما أبهم في موضع بين في موضع آخر، وما أجمل في آية فصل في غيرها، وما أُطلق في سورة قُيِّد في أخرى، وما ورد عامًا في مكان خُصص في مكان آخر ..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير:

(إن أصح طرق التفسير أن يُفسرَ القرآن بالقرآن، فما أُجمِل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، وما اختُصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر) .

ومن أعظم أسباب الخلل في فهم كتاب الله عز وجل بتر النصوص ووضعها في سياق جزئي لا يتكامل مع بقية النصوص القرآنية وهو ما يؤدي إلى ضرب القرآن بعضه ببعض.

وقد حذر من ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله:

(أما إنه لم تهلك الأمم قبلكم حتى وقع في مثل هذا، يضربون القرآن بعضه ببعض) . صحيح الجامع الصغير - (1/ 282)

ولهذا عاقب عمر رضي الله عنه صبيغ بن عسل الذي كان يتتبع متشابه القرآن وما ظهر له انه تعارض، فضربه عمر بعراجين النخل حتى قال: كفى يا أمير المؤمنين ذهب الذي في رأسي.

وبالنسبة للآيات التي استشهد بها الكاتب فقد استشهد بها في غير موضعها وصرفها عن معناها الحقيقي ..

وقد قدمنا أن أصرح شيء في هذا الباب هو قوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت