الصفحة 50 من 51

إذن، للحقائق والقناعات والأفكار مصادرها المعرفية بحسب مرجعية كل إنسان، لكن من يملك الحق في فرض هذه الأفكار والقيم ويجعلها مجسدة في أرض الواقع؟ قديما - كما قلنا - كان الأقوى والمنتصر والمتغلب هو الذي يفرض إرادته وقيمه وأفكاره على الشعب المغلوب والمقهور. بغض النظر هل كانت تلك الأفكار والقيم صالحة في نفسها أم فاسدة. وبغض النظر هل ذلك المتغّلب صالح في نفسه ونزيه وعادل في تطبيق تلك القيم أم هو مستغل وفاسد ومتلاعب وظالم. بغض النظّر عن هذه الاعتبارات الخطيرة يبقى أن الشعب مهمّش ليس له إرادة له أمام إرادة الحاكم المطلقة، ولا يحق له أن يختار قيمه وأفكاره وإراداته التي يؤمن بها ويعتقد بصلاحها.

من هنا كانت سيادة الأمة قبل تطبيق الشريعة، وتقديمنا لـ (السيادة) هنا وجعلها أولية ليس على (الشريعة) وإنما على (تطبيق) الشريعة، وفرق بين (الشريعة) وبين (تطبيق) الشريعة. الشريعة: عبارة عن معطى إلهي منزل مستمد من الوحي، ومتمثل في المحكمات والقطعيات والكليات الشرعية، وأما (التطبيق) فهو فعل بشري اجتهادي تاريخي لذلك المعطى الإلهي. فالتطبيق ليس دينا بالضرورة بل قد يكون مخالفا للدين، وقد يكون مفسدا لغايات التشريع ومناقضا لمقاصده.

وهذا يعني أن (تطبيق الشريعة) قد يكون معارضا لـ (الشريعة) . وبالتالي فنقد ذلك التطبيق ورفضه وإنكاره لا يلزم منه إنكار ورفض (الشريعة) في نفسها، فالتطبيق محكوم بمبادئ وكليات ومقاصد (التشريع) . وليس كل تطبيق هو موافق لمقاصد الشريعة.

لهذا فأولية مبدأ (سيادة الأمة) هي بالنسبة للتطبيق لا بالنسبة للشريعة. لأن مبدأ (سيادة الأمة) مبدأ شرعي في الأساس، أي عنصر من عناصر الشريعة وفرد من أفرادها. بخلاف التطبيق البشري الذي قد يتضمن أولية مبدأ (سيادة الأمة) وقد لا يتضمنه. وكم طُبِّقت الشريعة عبر التاريخ في كثير أو قليل من أفرادها بدون احترام (سيادة الأمة) ، ولكن هذا (التطبيق) هل كان موافقا لمقاصد وغايات التشريع، أم كان مآله التلاعب والاستغلال والتعطيل والتحريف من قبل الحاكم الفرد الذي كانت السيادة المطلقة بيده دون الأمة؟ التاريخ والواقع المعاصر يقول الثاني، إلا في حالات استثنائية ونادرة بسبب عدالة ونزاهة وفقه الحاكم، لكنه لا يلبث أن يموت ذلك الحاكم ويعود الأمر كما كان عليه من التلاعب والاستغلال والتعطيل. ولهذا فسيادة الأمة هو السياج الضامن، والفضاء الآمن، للتطبيق الأمثل للشريعة، حتى تكون رحمة وعدلا لا آصارا وأغلالا فيكفر بها الناس.

قد يقول قائل: السيادة في الإسلام للشريعة فقط. وليس للفرد ولا للشعب؟

الجواب: أن هذا القائل لديه إشكالية في فهم طبيعة الشريعة، فهو لا ينظر إلى الشريعة على أنها عبارة عن منظومة من القيم والمبادئ والأحكام، وإنما ينظر إليها كأنها أشبه بالكائن الحي الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويجلس على أريكته ويفرض قيمه وإراداته على الناس. هكذا يتصور البعض!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت