وهؤلاء .. إن المؤمنين يتوجهون إلى الله بجهادهم، ويرتقبون عنده جزاءهم .. فأما الكفار فهم ضائعون مضيعون، لا يتجهون لله، ولا يرتقبون عنده شيئا في الحياة ولا بعد الحياة ..
فإذا أصر الكفار على المعركة، فما أجدر المؤمنين أن يكونوا هم أشد إصرارا، وإذا احتمل الكفار آلامها، فما أجدر المؤمنين بالصبر على ما ينالهم من آلام. وما أجدرهم كذلك أن لا يكفوا عن ابتغاء القوم ومتابعتهم بالقتال، وتعقب آثارهم، حتى لا تبقى لهم قوة، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله.
وإن هذا لهوفضل العقيدة في الله في كل كفاح. فهناك اللحظات التي تعلوفيها المشقة على الطاقة، ويربوالألم على الاحتمال. ويحتاج القلب البشري إلى مدد فائض وإلى زاد. هنالك يأتي المدد من هذا المعين، ويأتي الزاد من ذلك الكنف الرحيم.
ولقد كان هذا التوجيه في معركة مكشوفة متكافئة. معركة يألم فيها المتقاتلون من الفريقين. لأن كلا الفريقين يحمل سلاحه ويقاتل.
ولربما أتت على العصبة المؤمنة فترة لا تكون فيها في معركة مكشوفة متكافئة .. ولكن القاعدة لا تتغير.
فالباطل لا يكون بعافية أبدا، حتى ولوكان غالبا! إنه يلاقي الآلام من داخله. من تناقضه الداخلي ومن صراع بعضه مع بعض. ومن صراعه هومع فطرة الأشياء وطبائع الأشياء.
وسبيل العصبة المؤمنة حينئذ أن تحتمل ولا تنهار. وأن تعلم أنها إن كانت تألم، فإن عدوها كذلك يألم.
والألم أنواع. والقرح ألوان .. «وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ» .. وهذا هوالعزاء العميق. وهذا هومفرق الطريق .. «وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا» .. يعلم كيف تعتلج المشاعر في القلوب. ويصف للنفس ما يطب لها من الألم والقرح .. ) [1] .
وبهذا التصوير يفترق طريقان ويبرز منهجان ويصغر كل ألم، وتهون كل مشقة. ولا يبقى مجال للشعور بالضنى وبالكلال .. فالآخرون كذلك يألمون. ولكنهم يرجون من الله ما لا يرجون! ويرسم هذا الدرس - بجملة الموضوعات التي يعالجها، وبطرائق العلاج التي
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 1109]