فهرس الكتاب

الصفحة 283 من 311

يسلكها - ما كان يعتمل في جسم الجماعة المسلمة، وهي تواجه مشاق التكوين الواقعية ومشكلات التكوين العملية. وما كان يشتجر في النفوس من عوامل الضعف البشري ومن رواسب الماضي الجاهلي، ومن طبيعة الفطرة البشرية وهي تواجه التكاليف بمشاقها وآلامها مع ما يصاحب هذه المشاق والآلام من أشواق ومن تطلع إلى الوفاء كذلك يستثيرها المنهج الحكيم، ويستجيشها في الفطرة لتنهض بهذا الأمر العظيم. [1] .

ولهذا تجد اثنين تصيبهم مصيبة واحدة أو متقاربة - وأحدهما عنده إيمان، والآخر فاقد له - تجد الفرق العظيم بين حاليهما، وتأثيرها في ظاهرهما وباطنهما. وهذا الفرق راجع إلى الإيمان والعمل بمقتضاه.

وكما أنه يسلي عند ورود المصائب والمكاره، فإنه يسلي عند فقد المحاب. فإذا فقد المؤمن حبيبه الذي تمكن حبه من قلبه - من أهل وولد، ومال، وصديق، وشبهها - تسلى بحلاوة إيمانه، والإيمان خير عوض للمؤمن عن كل مفقود، كما هو مشاهد مجرب.

وفقد المحبوب - في الحقيقة - معدود من المصائب. ولولا أن يعقوب -عليه الصلاة والسلام- عنده من الإيمان ما يهون عليه مصيبته في فقد يوسف مع شدة حبه العظيم، بحيث قال لإخوته - لما طلبوا منه بعض يوم، أن يذهب معهم ليرتع ويلعب - {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ} [سورة يوسف: 13] فأخبر أن المانع له من إرساله؛ أنه لا يصبر على فراقه ولا ساعة من نهار. ولكنهم عالجوه، وذكروا له الأسباب التي توجب له أن يرسله معهم؛ فأرسله {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [سورة الأنفال: 42] . فمن هذه حاله، وهذا حبه البليغ الذي لا يمكن المعبر أن يعبر عنه - هل يدخل في الذهن أنه يبقى هذه المدة الطويلة على الوجود؟! بل يغلب على الظن أن الحب يفتت كبده بأسرع وقت. ولكن قوة الإيمان، وقوة الرجاء بالله - أوجب له أن يتماسك كل هذه المدة، حتى جاء الله بالفرج الذي وعد به المؤمنون.

وكذلك؛ أم موسى - حين ذهبت اليم بموسى، وأصبح فؤادها فارغا من كل شيء إلا من الحزن على موسى - لولا أن الله ربط على قلبها بالإيمان، وعلمت أن وعد الله حق

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب - ت- علي بن نايف الشحود [ص 1095]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت