فهرس الكتاب
واجهته، فتهوب به في هوة التردد والشك والريبة والتحير، بل والتكذيب القلبي، مما يخرج بن مرة أخرى عن دائرة الملة والعياذ بالله [1] .
وكذلك عمل القلب من الانقياد والإذعان والاستسلام والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، والتوكل على الله وحده، وخشيته ومحبته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم وتوقيره، كل ذلك قد يتحقق منه في قلب العبد قدر ضئيل لا ينجو بصاحبه ولا يخرج به عن دائرة الكفر أصلًا [2] .
وقد يتحقق من عمل القدر الذي يقف بصاحبه على حد الإسلام وعتبة الإيمان، ولكن هذا القدر إذا لم يتعد هذه المرحلة ويرتفع به صاحبه إلى مراحل أسمى من الإيمان، فقد تعصف به الشهوات والفتن وتتردى به إلى مهاوي الاستسلام والطاعة لغير الله، أو التوكل على غيره، أو محبة غيره، أو الخشية من غيره، أو الرجاء في غيره، كمثل محبة الله وخشيته ورجائه، أو عدم توقير رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقدر الذي يستحقه، مما يغرق صاحبه في بحار الشرك والظلم والفسق والعياذ بالله.
وهذه حال أغلب المنافقين، بل وكثير من أهل الملة، الذين يقفون بالكاد على حد الإسلام، ويتذبذب الإيمان في قلوبهم قربًا وبعدًا عن حده الأدنى، فمنهم من يتوفاه الله غير مفتون، ومنهم من يفتنه الله بالشبهات أو الشهوات فينهار، تصديقه أو انقياده القلبي عن الحد الأدنى الذي ينجو به أمام الله، فيسقط قلبه في ظلمات الكفر الأكبر والشرك والردة والعياذ بالله.
فمنهم الذي يموت على هذا ولا يعلم أمره إلا الله وحده، ومنهم الذي تظهر الفتنة كفره حالًا في القول أو العمل، فيرتد ظاهرًا وباطنًا [3] ، ومنهم الذي يرتد باطنًا ويظل على نفاقه حتى يظهر الله حقيقة أمره لعباده المؤمنين في موقف آخر من مواقف الفتنة، إلا من تاب وآمن وعمل صالحًا، والتوبة معروضة بعد.
ويلخص الإمام ابن تيمية هذه الحقائق فيقول:"ولهذا لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، أسلم عامة أهلها، فلما جاءت المحنة والابتلاء نافق من نافق، فلو مات هؤلاء قبل الامتحان لماتوا على الإسلام ودخلوا الجنة ولم يكونوا من المؤمنين حقًا الذين ابتلوا فظهر صدقهم ..."
(1) وهذا الصنف هو الذي آمن ثم كفر والعياذ بالله.
(2) أي يظهر الإيمان ولكنه لا يزال يبطن الكفر.
(3) أي يدخل يمان ظاهرًا وباطنًا ثم يريد.