الصفحة 107 من 237

يقول ابن كثير:"إن المؤمنين صنفان: مقربون وأبرار، وإن الكافرين صنفان: دعاة ومقلدون، وإن المنافقين أيضًا صنفان: منافق خالص، ومنافق فيه شعبة من نفاق، كما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم:"ثلاث من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه واحدة منهن كانت فيها خصلة من النفاق حتى يدعها، من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان"."

استدلوا به على أن الإنسان قد تكون فيه شعبة من إيمان وشعبة من نفاق، إما عملي لهذا الحديث، أو اعتقادي كما دلت عليه الآية، كما ذهب إليه طائفة من السلف وبعض العلماء كما تقدم وكما سيأتي إن شاء الله.

قال الإمام أحمد: حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية -يعني شيبان- عن ليث، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"القلوب أربعة: قلب أسرد فيه مثل السراج يزهر، وقلب أغلف مربوط على غلافه، وقلب منكوس، وقلب مصفح. فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره، وأما القلب الأغلف فقلب الكافر، وأما القلب المنكوس فقلب المنافق الخالص، عرف ثم أنكر، وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم، فأي المادتين غلبت على الأخرى غلبت عليه"وهذا إسناد جيد حسن اهـ [1] .

ويقول ابن تيمية:"والنفاق كالكفر نفاق دون نفاق، ولهذا كثيرًا ما يقال: كفر ينقل عن الملة وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان، أصغر وأكبر"اهـ [2] .

إن قلب الرجل قد يتحقق فيه قدر من التصديق بالحق، ولكنه قدر ضعيف لا يرقى إلى مستوى اليقين والتخلص من الريبة والشك والتردد، فلا ينتفع به صاحبه ولا يدخل به إلى دائرة الإسلام [3] .

وقد يتحقق في القلب الحد الأدنى، أو القدر المنجي من التصديق، ولكن صاحبه لا يتعاهده لينمو ويشتد عوده ويبعد به عن دائرة الخطر، وحينئذ فقد تزلزله الشبهات إذا ما

(1) السابق.

(2) الإيمان الأوسط، ص65، 66.

(3) وهذا الصنف هو الذي لا يزال منافقًا أصلًا لم يحقق حد الإسلام أصلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت