الصفحة 110 من 237

من السلف في صفة المنافقين الذين ضرب لهم المثل في سورة البقرة أنهم أبصروا ثم عموا، وعرفوا ثم أنكروا، وآمنوا ثم كفروا ...

فتبين أن من المنافقين من كان آمن ثم كفر باطنًا، وهذا مما استفاض به النقل عند أهل العلم بالحديث والتفسير والسير، أنه كان رجال آمنوا ثم نافقوا، وكان يجري ذلك لأسباب: منها أمر القبلة لما تحولت، ارتد عن الإيمان لأجل ذلك طائفة، وكانت محنة امتحن الله بها الناس ...

وكذلك أيضًا لما انهزم المسلمون يوم أحد، وشج وجه النبي صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته ارتد طائفة نافقوا ... وقوله: (هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ) (آل عمران: 166) يبين أنهم لم يكونوا قبل ذلك أقرب منهم، بل إما أن يتساويا، وإما أن يكونوا للإيمان أقرب، وكذلك كان، فإن ابن أُبيّ لما انخذل عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد انخذل ثلث الناس، قيل: كانوا نحو ثلاثمائة، وهؤلاء لم يكونوا قبل ذلك كلهم منافقين في الباطن، إذ لم يكن لهم داع إلى النفاق .. فلما انخذل يوم أحد وقال: يدع رأيي ورأيه ويأخذ برأي الصبيان، أو كما قال، انخذل معه خلق كثير، منهم من لم ينافق قبل ذلك.

وفي الجملة: ففي الإخبار عمن نافق بعد إيمانه ما يطول ذكره هنا، فأولئك كانوا مسلمين وكان معهم إيمان، وهو الضوء الذي ضرب الله به المثل، فلو ماتوا قبل المحنة والنفاق ماتوا على هذا الإسلام الذي يثابون عليه، ولم يكونوا من المؤمنين حقًا الذين امتحنوا فثبتوا على الإيمان، ولا من المنافقين حقًا الذين ارتدوا عن الإيمان بالمحنة.

وهذا حال كثير من المسلمين في زماننا، وأكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع فيها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرًا، وينافق أكثرهم أو كثير منهم، ومنهم من يظهر الردة إذا كان العدو غالبًا، وقد رأينا ورأى غيرنا من هذا ما فيه عبرة، وإذا كانت العافية، أو كان المسلمون ظاهرين على عدوهم، كانوا مسلمين، وهم مؤمنون بالرسول باطنًا وظاهرًا، لكن إيمانًا لا يثبت على المحنة، ولهذا يكثر في هؤلاء ترك الغرائض وانتهاك المحارم ..

وكثيرًا ما تعرض للمؤمن شعبة من شعب النفاق، ثم يتوب الله عليه، وقد يرد على قلبه بعض ما يوجب النفاق، ويدفعه الله عنه، والمؤمن يبتلى بوساوس الشيطان وبوساوس الكفر التي يضيق بها صدره ... ولا بد لعامة الخلق من هذه الوساوس، فمن الناس من يجيبها

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت