الصفحة 119 من 237

فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة [1] .

وبالجملة، فأصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان: كفر ظاهر، وكفر نفاق. فإذا تكلم في أحكام الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار. وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين"اهـ [2] ."

وهذا القسم الأخير من أشد أنواع المنافقين خطرًا على الدين وأهله، وعلى سلامة وأمن الجماعة المؤمنة، ونفاقهم يتراوح ما بين النفاق الاعتقادي المخرج عن الملة -ولكنه لا يظهر لنا ببينة شرعية جلية- وبين النفاق العملي الذي هو من أكبر الذنوب وأعظمها، ولكن ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق يظهر الله موجبه في القول والعمل، وما أسرّ أحد سريرة إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه [3] .

يقول ابن كثير:"ولهذا نبه الله سبحانه وتعالى على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون، فيقع لذلك فساد عريض من عدم الاحتراز منهم، ومن اعتقاد إيمانهم وهم كفار في نفس الأمر، وهذا من المحذورات الكبار أن يظن بأهل الفجور خير"اهـ [4] .

أي أن الله -سبحانه وتعالى- قد ذكر للمؤمنين صفاتهم الظاهرة التي يتوسم فيها نفاقهم، وذلك للاحتراز منهم واتقاء شرهم، حتى وإن لم يظهر منهم بينة جلية واضحة تبين نفاقهم بيقين.

يقول ابن كثير:"وإنما كان تذكر له صفاتهم فيتوسمها في بعضهم"اهـ [5] .

(1) والمقصود هنا بالباطن أي ما يظهر منه لخاصته والعالمين بحقيقة حاله فيما بينهم وبينه مما يبطنه عن الجماعة المؤمنة ولا يظهره بصورة من صور البينات الشرعية المعتد بها، وإلا فإن الباطن بالمعنى الآخر -أي بينه وبين ربه- فلا سبيل لأحد إليه ولا يطلع عليه إلا الخالق وحده جلت قدرته.

(2) الإيمان الأوسط، ص158 - 163.

(3) السابق.

(4) ابن كثير، جـ 1ص47.

(5) ابن كثير، جـ1 ص49. والكلام على النبي صلى الله عليه وسلم وأن الله سبحانه وتعالى عرفه بعض المنافقون بأعيانهم والبعض بصفاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت