فهرس الكتاب
يكن نفاقهم معلومًا عند الجماعة، بخلاف حالهم لما نزل القرآن، ولهذا لمّا نزلت سورة براءة كتموا النفاق، وما بقي يمكنهم من إظهاره أحيانًا ما كان يمكنهم قبل ذلك ...
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر الذي علقت به الأحكام الظاهرة ... فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة، التي يحكم فيها الناس في الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لا بد أن يكون مؤمنًا في الباطن [1] باتفاق جميع أهل القبلة ...
وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم يصلى عليهم إذا ماتوا، ويدفنون في مقابر المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والمقبرة التي كانت للمسلمين في حياته وحياة خلفائه وأصحابه، يدفن فيها كل من أظهر الإيمان وإن كان منافقًا في الباطن [2] ، ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام، كما تكون لليهود والنصارى، مقبرة يتميزون بها، ومن دفن في مقابر المسلمين صلى عليه المسلمون"اهـ [3] ."
يقول ابن تيمية:"وبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم، في كثير من الأمصار، لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض -كابن أبيّ وأمثاله من المنافقين- فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى ..."
وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دمائهم، حتى تقوم السنة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته ..
(1) المقصود هنا بالباطن أي على الحقيقة وفي نفس الأمر بينه وبين ربه.
(2) والمقصود هنا بالباطن أي ما يظهر منه لخاصته والعالمين بحقيقة حاله فيما بينهم وبينه مما يبطنه عن الجماعة المؤمنة ولا يظهره بصورة من صور البينات الشرعية المعتد بها، وإلا فإن الباطن بالمعنى الآخر -أي بينه وبين ربه- فلا سبيل لأحد إليه ولا يطلع عليه إلا الخالق وحده جلت قدرته.
(3) الإيمان، ص197 - 206.