فهرس الكتاب
وهذا القسم قد استشكل أمره على كثير من المسلمين قديمًا وحديثًا، مما جعل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله - يسهب كثيرًا وفي مواضع متعددة من كتبه في شرح وتفصيل الفرق بين حقيقة أمر هؤلاء الناس في نفس الأمر وفي أحكام الآخرة، وبين المعاملة الشرعية الواجبة والتي أُلزمنا الشرع بها تجاههم.
يقول ابن تيمية:"الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة، فإن المنافقين الذين قالوا: (آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) (البقرة: 8) هم في الظاهر مؤمنون .. ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر .. والصحيح أنه يرث ويورّث، وإن علم في الباطن أنه منافق، كما كان الصحابة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته ... وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار ..."
وبهذا يظهر الجواب عن شبهات كثيرة تورد في هذا المقام، فإن كثيرًا من المتأخرين ما بقي من المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق، وأعرضوا عن حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا ولا يزالون إلى يوم القيامة ...
وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولًا يصلى عليهم ويستغفر لهم، حتى نهاه الله عن ذلك .. فلم يكن يصلي عليهم ولا يستغفر لهم، ولكن دماؤهم وأموالهم معصومة، لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون، بل يظهرون الكفر دون الإيمان ...
فكان صلى الله عليه وسلم حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم، لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم، وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه .. وكان من مات منهم صلى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق، ومن علم أنه منافق لم يصل عليه، وكان عمر إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلي عليه حذيفة لأن حذيفة كان قد علم أعيانهم ... وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ولا يشقوا بطونهم ... ولم يكن منهيًا عن الصلاة إلا على من علم نفاقه، وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم سرائرهم، وهذا لا يقدر عليه بشر.
ولهذا لما كشفهم الله بسورة"براءة"بقوله: (ومنهم، ومنهم) ، صار يعرف نفاق ناس منهم لم يكن يعرف نفاقهم قبل ذلك، فإن الله وصفهم بصفات علمها الناس منهم، وما كان الناس يجرمون بأنها مستلزمة لنفاقهم، وإن كان بعضهم يظن ذلك وبعضهم يعلمه، فلم