الصفحة 135 من 237

يقول النووي:"وأما حكمه صلى الله عليه وسلم على من مات بشرك بدخول النار، ومن مات غير مشرك بدخول الجنة، فقد أجمع عليه المسلمون، فأما دخول المشرك النار فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق فيه بين الكتابيّ اليهودي والنصراني وبين عبدة الأوثان وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادًا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره بجحا، وغير ذلك."

وأما دخول من مات غير مشرك الجنة فهو مقطوع له به، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرًا عليها دخل الجنة أولًا، وإن كان صاحب كبيرة مات مصرًا عليها فهو تحت المشيئة، فإن عفى عنه دخل أولًا، وإلا عذب ثم أخرج من النار وخلد في الجنة ..

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (وإن زنى وإن سرق) فهو حجة لمذهب أهل السنة أن أصحاب الكبائر لا يقطع لهم بالنار، وأنهم وإن دخلوها أخرجوا منها، وختم لهم بالخلود في الجنة"اهـ [1] ."

ويقرر الإمام النووي في موضع آخر:"واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف، أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال، فإن كان سالمًا من المعاصي كالصغير والمجنون، والذي اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أوغيره من المعاصي، إذا لم يحدث معصية بعد توبته، والموفق الذي لم يبتل بمعصية أصلًا، فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلًا، لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود، والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم، أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه."

وأما من كانت له معصية ومات من غير توبة، فهو في مشيئة الله تعالى، فإن شاء تعالى عفا عنه وأدخله الجنة أولًا وجعله كالقسم الأول، وإن شاء عذبه القدر الذي يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة، فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل، كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل.

هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة، وقد تظاهرت أدلة أهل الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة، وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي"اهـ [2] ."

(1) شرح النووي على صحيح مسلم، جـ2 ص97.

(2) السابق، جـ1 ص237.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت