الصفحة 166 من 237

ويقول شارح الطحاوية:"اختلف الناس فيما يقع عليه اسم الإيمان اختلافًا كثيرًا، فذهب مالك والشافعي وأحمد والأوزاعي وإسحق بن راهويه وسائر أهل الحديث وأهل المدينة -رحمهم الله- وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين إلى أنه تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالإركان."

وذهب كثير من أصحابنا أي -الحنفية- إلى ما ذكره الطحاوي -رحمه الله-: إنه الإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، ومنهم من يقول: إن الإقرار باللسان ركن زائد ليس بأصلي، وإلى هذا ذهب أبو منصور الماتريدي -رحمه الله- ويروي عن أبي حنيفة -رضي الله عنه- ...

وحاصل الكل يرجع إلى أن الإيمان: إما أن يكون ما يقوم بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما ذهب إليه جمهور السلف من الأئمة الثلاثة وغيرهم -رحمهم الله- كما تقدم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح، كما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه -رحمهم الله-"اهـ [1] ."

وهكذا نرى أنه بينما أدخل جمهور السلف أعمال الجوارح في مسمى الإيمان، فإن الإمام أبا حنيفة -رحمه الله- وأصحابه قد أطلقوا اسم الإيمان على التصديق بالقلب والإقرار باللسان فقط.

ولكي نحدد بدقة حقيقة الخلاف بين الحنفية وغيرهم من جمهور السلف في تعريف الإيمان، يجب أولًا أن نسترجع عناصر الإيمان عند السلف، ثم نتحقق من موقف الحنفية تجاه كل عنصر من هذه العناصر.

يرى جمهور السلف -كما ذكرنا قبل- أن لفظ الإيمان يطلق في الاستعمال الشرعي على ثلاثة عناصر مجتمعة، وهذه العناصر هي: اعتقاد القلب، وإقرار اللسان، وعمل الجوارح. واعتقاد القلب عند السلف والأئمة يتكون من عنصرين منفصلين، لا يتحقق الإيمان بواحد منهما دون الآخر، ولا يدخل المرء في دين الله إلا باجتماع هذين العنصرين، وهما: عنصر المعرفة والعلم والتصديق، وهو ما يعرف بقول القلب أي نسبة الصدق إلى الخبر والمخبر. وعنصر الالتزام والانقياد والاستسلام والخضوع والطاعة، وهو ما يعرف بعمل القلب. فإذا ما تحقق الاعتقاد على وجهه الصحيح بعنصريه، انعكس ذلك بالضرورة على الظاهر، فأقر بلسانه، وعمل بجوارحه.

(1) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العز الحنفي، ص373 - 374.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت