الصفحة 167 من 237

والآن ننظر إلى موقف الحنفية تجاه هذه العناصر، فإذا ما ثبت أنهم يعتبرونها كلها -شأنهم في ذلك شأن بقية جمهور أهل السنة والجماعة -أصبح الخلاف حينئذ بين الإمام أبي حنيفة وبين سائر الأئمة خلافًا لفظيًا أو صوريًا بالفعل [1] ، وإذا ما ثبت عدم اعتبار أحد هذه العناصر عندهم، أصبح الخلاف حينئذ خلافًا حقيقيًا يتصل بالأحكام والمآلات.

* ما المقصود بالتصديق عند الحنفية؟:

إذا نظرنا أولًا إلى عنصر"التصديق"في تعريف الحنفية للإيمان، فيجب أن نحدد بدقة ما المقصود بهذا اللفظ عندهم، هل المقصود به هو مجرد نسبة الصدق إلى الخبر أو المخبر، أم أن التصديق عندهم يشمل أيضًا عنصر عمل القلب، فيكون لفظ التصديق عندهم مقابلًا لمعنى الاعتقاد عند بقية السلف بعنصريه، قول القلب وعمل القلب؟

يقول صاحب"المسامرة":"فقيل: الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، أي قول القلب وإذعانه لما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى الله عليه وسلم"اهـ [2] .

ويقول:"إن التصديق بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من انفراد الله تعالى بالألوهية وغيره مما أخبر به كالحشر والجزاء والجنة والنار، إنما كان ذلك التصديق على سبيل القطع فهو بعض من مفهومه -أي مفهوم الإيمان .. وقد اعتبر في ترتيب لازم الفعل -أي التلبس بذلك الموضوع الذي أمر به العباد يعني الإيمان- وجود أمر عدمها أي عدم تلك الأمور مترتب ضده ... وتلك الأمور التي اعتبر وجودها لترتب ذلك اللازم، ويترتب على عدمها ضده، كتعظيم الله تعالى وتعظيم أنبيائه وكتبه وبيته المحرم، وترك السجود للصنم ونحوه من الأفعال المكفرة، والانقياد وهو الاستسلام إلى قبول أوامره ونواهيه سبحانه وتعالى"اهـ [3] .

ويقول في موضع آخر:"والإيمان لما كان عبارة عن تصديق الله تعالى فيما أخبر به على لسان رسله، فإنما يتحقق ذلك بقبول أوامره ونواهيه"اهـ [4] .

(1) وحتى لو ثبت أن الخلاف لفظي أو نظري أو صوري، فإنهم -أي مرجئة الفقهاء- يظلون مخطئين في اللفظ مخالفين للكتاب والسنة. راجع: الإيمان لشيخ الإسلام، ص172.

(2) المسايرة للكمال ابن الهمام الحنفي وعليه شرح للكمال ابن أبي شريف المسمى المسامرة، ص285.

(3) السابق، ص295 - 296.

(4) السابق، ص297.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت