الصفحة 172 من 237

ويقول عن أبي حنيفة وأصحابه:"وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما من فقهاء الكوفة كانوا يجعلون قول اللسان واعتقاد القلب في الإيمان، وهو قول أبي محمد بن كلاب وأمثاله، لم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب"اهـ [1] .

ويقول:"والمرجئة الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، والأعمال ليست منه. كان منهم طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، ولم يكن قولهم مثل قول جهم، فعرفوا أن الإنسلن لا يكون مؤمنًا إن لم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه، وعرفوا أن إبليس وفرعون وغيرهما كفار مع تصديق قلوبهم"اهـ [2] .

* عمل الجوارح وقيمته عند الحنفية:

إذا علمنا الآن أن قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، كلها عناصر معتبرة عند الحنفية في موضوع الإيمان، شأنهم في ذلك شأن بقية السلف والأئمة، بقي علينا أن نتحقق من قيمة عمل الجوارح عند الحنفية، ومدى اعتبارهم له، ومدى التزامهم بقاعدة أهل السنة والجماعة في ارتباط الظاهر بالباطن.

نورد أولًا بعض النقول التي توضح نظرة الحنفية إلى قيمة عمل الجوارح لنصل منها في النهاية إلى حقيقة الخلاف بينهم وبين جمهور السلف حول هذه النقطة، وهل هو خلاف في الأسماء والألفاظ أم هو خلاف في الحقائق والأحكام والمآلات؟.

يقول شارح الطحاوية:"والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزءًا من الإيمان -مع الاتفاق على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج من الإيمان، بل هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه- نزاع لفظي لا يترتب عليه فساد اعتقاد .. ولا خلاف بين أهل السنة أن الله تعالى أراد من العباد القول والعمل، وأعني بالقول: التصديق بالقلب والإقرار باللسان .. لكن هذا المطلوب من العباد: هل يشمله اسم الإيمان؟ أم الإيمان أحدهما -وهو القول"

(1) الإيمان الأوسط، ص50.

(2) الإيمان، ص183.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت