الصفحة 171 من 237

وأما عن الإقرار باللسان فهو عنصر أساسي معتبر عند كافة الأئمة سلفًا وخلفًا، سواء أسموه ركنًا أصليًا أم ركنًا زائدًا، وسواء اعتبروه شطرًا أم شرطًا [1] .

فالممتنع عن التكلم بالشهادتين مع القدرة يعتبر عندهم جميعًا كافرًا ظاهرًا وباطنًا. ولم يشذ عن هذا إلا طائفة من غلاة المرجئة، هم الجهمية ومن اتبعهم على مذهبهم في الإيمان من الفرق الأخرى.

يقول ابن تيمية:"ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين، إلا الجهمية: جهمًا ومن وافقه"اهـ [2] .

يقول:"وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر"اهـ [3] .

ويقول أيضًا:"فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها"اهـ [4] .

(1) لما كان الإقرار باللسان يمكن أن يتخلف في حالات معينة -دون أن يقدح ذلك في إيمان صاحبه- مثل حالة رجل مؤمن يكتم إيمانه أو رجل مكره على الكفر بلسانه أو رجل به عاهة تمنعه من النطق بلسانه أو رجل عاجلته المنية قبل أن ينطق بلسانه أو غير ذلك من حالات، ولما كان الاعتقاد بالقلب لا يمكن أن يتخلف تحت أي حالة -وإلا كان كفرًا- فقد ذهب بعض الحنفية إلى إخراج الإقرار باللسان عن ماهية الإيمان -الذي هو فقط التصديق- بالجنان عندهم بشطريه العلمي والعملي -واعتباره -أي الإقرار- شرطًا لقبول التصديق خارجًا عنه وليس شطرًا منه ولا يجوز تخلفه عند القدرة عليه وإلا لم يقبل مشروطه. وذهب آخرون من باب الاحتياط ولدلالة بعض النصوص إلى اعتبار الإقرار باللسان ركنًا في مفهوم الإيمان ولكن لكونه ركنًا يحتمل السقوط فقد أطلقوا عليه ركنًا زائدًا في مقابل التصديق القلبي الذي هو ركن أصلي لا يحتمل السقوط تحت أي ظرف بشطريه طبعًا العلمي والعملي. راجع: المسايرة، ص287 وبعدها. وشرح الطحاوية، ص273 وبعدها.

ونحن نرى أن الخلاف إذا وقف عند هذا الحد فإنه لا ينبني عليه اختلاف في أحكام الدنيا أو مآلات الآخرة، إذ الجميع من أهل السنة -الحنفية وغيرهم- متفقون كما يقول ابن تيمية على أن المرء لا يكون مؤمنًا ولا يدخل في دين الله إذا امتنع عن الإقرار بلسانه فلم يتكلم بالإيمان مع قدرته عليه. وهو عندهم جميعًا كافر ظاهرًا وباطنًا. ولم يخالف في ذلك إلا من شذ كجهم ومن وافقه.

(2) الإيمان، ص207.

(3) الإيمان، ص287.

(4) الإيمان الأوسط، ص151.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت