الصفحة 186 من 237

فالحنفية إذن يمنعون الاستثناء إذا كان على سبيل الشك والتردد الذي يعود على أصل الإيمان من التصديق والانقياد -والذي هو فقط مسمى الإيمان عندهم وركنه الأصلي -وهذا أمر لا خلاف عليه من أهل السنة حنفية وغيرهم.

وهم يجيزون الاستثناء للموافاة، أو تعليقًا للأمر كله بمشيئة الله، أو رجاء في استكمال اليقين والطاعات -إذا سمي ذلك إيمانًا من باب المجاز وإطلاق الاسم على لوازمه وثمراته- وهذه كلها معان لا نحسب أن عليها خلافًا بينهم وبين غيرهم من أهل السنة والجماعة.

* موقف الحنفية من إطلاق بعض النصوص للإيمان على بعض الأعمال:

القضية الثالثة هي موقف الحنفية من بعض النصوص التي أطلقت الإيمان على بعض الأعمال، وكذلك التي أطلقت الكفر على بعض الأعمال، وهذه الأعمال وتلك لا علاقة لها بأصل الإيمان عندهم بل بما هو زائد عليه من لوازم ومتعلقات.

أما عن الأعمال التي أطلق الشارع عليها اسم الإيمان، فقد ذهب الحنفية إلى أن إطلاق الاسم عليها -وهي من لوازم الإيمان وثمراته- إنما هو من باب المجاز وليس من باب دخولها في مسمى الاسم.

يقول ابن تيمية:"والمرجئة -المتكلمون منهم والفقهاء منهم- يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانًا مجازًا، لأن العمل ثمرة الإيمان ومقتضاه، ولأنها دليل عليه. ويقولون: قوله:"الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق"مجاز" [1] اهـ [2] .

أما عن الأعمال التي أطلق عليها الشارع اسم الكفر دون أن تكون راجعة على الأصل -أي أصل الإيمان الذي هو وحده مسمى الإيمان عند الحنفية -بالنقض، فإن الحنفية اتفقوا ابتداء مع بقية أهل السنة على الالتزام بإطلاق الشارع اسم الكفر على بعض المعاصي، وإن كان صاحبها لا يخرج بها عن دائرة الملة، وهو ما أطلق عليه جمهور السلف والأئمة كفرًا أصغر، أو كفرًا دون كفر، أو كفرًا عمليًا لا يخرج من الملة، إلا أن الحنفية -وعلى مذهبهم في أن الإيمان لا يدخله العمل بالجوارح وإنما هو من ثمراته ونتائجه- قد ذهبوا إلى أن تسمية هذه المعاصي كفرًا، إنما هو من باب المجاز لا من باب الحقيقة، لأن حقيقة الكفر في عرف

(1) مسلم.

(2) الإيمان، 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت