فهرس الكتاب
هذه الحالة، أما إذا كان الاستثناء عائدًا على إيمان الموافاة، وعلم قصد القائل بقرائن ظاهرة، فلا وجه لمنعه في هذه الحالة.
جاء في"المسامرة":"ترك الاستثناء أبعد عن التهمة بعدم الجزم بالإيمان في الحال الذي هو كفر، فكان تركه واجبًا لذلك، ولما كان هذا إنما يتمشى عند إطلاق اللفظ دون قصد إلى إيمان الموافاة المقتضي للتبرك بالمشيئة خوفًا من سوء الخاتمة مع الجزم في الحال، أما من علم قصده بقرائن ظاهرة فلا وجه لمنعه"اهـ [1] .
فالاستثناء المقبول عند الحنفية هو الاستثناء للموافاة، لعدم العلم بالعاقبة وتبركًا لحسن الخاتمة، وأما على سبيل الشك والتردد، فهذا ممنوع عندهم بل وعند غيرهم من أهل السنة. وكذلك فإنهم جوزوا الاستثناء إذا كان تعليقًا للأمر بمشيئة الله، كذلك إذا كان على سبيل الرجاء في مزيد من اليقين والطاعات، من باب دخول هذه اللوازم والثمرات في الإيمان من باب المجاز، وسيأتي الكلام عن ذلك في القضية الثالثة.
يقول شارح"الطحاوية":"ومن ثمرات هذا الاختلاف [2] مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول -أي الرجل-: أنا مؤمن إن شاء الله. والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال .."
وأما من يجوز الاستثناء وتركه، فهم أسعد بالدليل من الفريقين، وخير الأمور أوسطها، فإن أراد المستثنى الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه، وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) (الأنفال: 2 - 4) . وفي قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) الحجرات: 15) فالاستثناء حينئذ جائز، وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقًا للأمر بمشيئة الله، لا شكًّا في إيمانه"اهـ [3] ."
(1) المسامرة، ص340.
(2) يعني الاختلاف على مسمى الإيمان.
(3) شرح العقيدة الطحاوية، ص395 - 398.