فهرس الكتاب
الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنًا للمخبر إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر -المقابل للإيمان- في نفي الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفي التزام الطاعة والانقياد، فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين [1] .
* الأصل الثالث: أن التصديق لا يكون بالقلب فقط ولا بالقلب واللسان فقط:
وأما عن الأصل الثالث فنقول: هب أن الإيمان قد رادف التصديق في بعض النقول، فما هو المقصود بالتصديق في هذه النقول؟
إذا كان تصديق القلب داخلًا في المراد، فليس المراد ذلك وحده، بل المراد التصديق بالقلب واللسان، فإن مجرد تصديق القلب دون اللسان لا يعلم حتى يخبر به عنه [2] ! ولا يوجد قط في كلام العرب أن من علم وجود شيء مما يخاف ويرجى، ويجب حبه وتعظيمه، وهو مع ذلك لا يحبه ولا يعظمه، ولا يخافه ولا يرجوه، بل يجحد به ويكذب به بلسانه، ولم يقولوا: هو مصدق به، ولو صدق به مع العمل بخلاف مقتضاه، لم يقولوا: هو مؤمن به [3] .
وأما الاستدلال بقوله تعالى: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا) (يوسف: 17) فليس في الآية ما يدل على أن المصدق مرادف للمؤمن، فإن صحة المعنى بأحد اللفظين لا يدل على أنه مرادف للآخر، فلو قلت: ما أنت بمسلم لنا، ما أنت بمؤمن لنا صح المعنى، لكن لما قلت: إن هذا هو المراد بلفظ مؤمن؟ وإذا قال الله: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ) ، ولو قال القائل: أتموا الصلاة، ولازموا الصلاة، والتزموا الصلاة، وافعلوا الصلاة، كان المعنى صحيحًا، لكن لا يدل هذا على معنى: أقيموا. فكون اللفظ يرادف اللفظ، يراد دلالته على ذلك [4] .
ولو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص وهو ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، وحينئذ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة [5] .
(1) الإيمان الأوسط، ص73.
(2) الإيمان، لابن تيمية، ص119، 120.
(3) الإيمان، لابن تيمية، ص120.
(4) الإيمان، لابن تيمية، ص120، ص275.
(5) الإيمان، لابن تيمية، ص121.