فهرس الكتاب
ولا يوجد في كلام السلف: صدقت بالله، أو فلان يصدق بالله، أو صدق بالله، ونحو ذلك، بل القرآن والحديث وكلام الخاصة والعامة مملوء من لفظ الإيمان بالله، وآمن بالله، ونؤمن بالله [1] .
والرسول صلى الله عليه وسلم يجب أن يؤمن له، يؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها [2] ، فالإيمان به، حيث نبوته غيب عنا أخبرنا به، ويؤمن له من جهة أنه مخبر علينا أن نطيعه، وليس كل غيب آمنا به علينا أن نطيعه [3] .
وأما عن مخالفة الإيمان للتصديق في المعنى، فهو أن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، فكان تفسيره بالإقرار أقرب -وإن كان بينهما فرق -فالإقرار مأخوذ من قرّ يقرّ، وهو قريب من آمن يأمن، فالمؤمن من دخل في الأمن، كما أن المقر دخل في الإقرار [4] . ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين [5] :
أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق، والشهادة، ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار:
والثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: 81) .
وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد، فإنه سبحانه قال: (وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) (آل عمران: 81) فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول.
وكذلك لفظ"الإيمان"فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ"التصديق"المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر، لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر، قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد
(1) الإيمان الأوسط، ص75.
(2) كما أخبر صلى الله عليه وسلم عن الله وكتبه ورسله وملائكته واليوم الآخر وهكذا.
(3) الإيمان الأوسط، ص75،76. والإيمان، ص8.
(4) الإيمان الأوسط، ص72.
(5) الإيمان الأوسط، ص73.