فهرس الكتاب
(يوسف: 17) . أي لا تقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه، ولو كنا صادقين؛ لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم [1] .
الثالث: أن لفظ الإيمان في اللغة لم يُقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق، فإنه من المعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت وكذبت، ويقال: صدقناه أو كذبناه، ولا يقال لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق، ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك وأخالفك ولا أوافقك، لكان كفره أعظم، فلما كان الكفر المقابل للإيمان ليس هو التكذيب فقط، عُلِمَ أن الإيمان ليس هو التصديق فقط، بل إذا كان الكفر يكون تكذيبًا، ويكون مخالفة ومعاداة وامتناعًا، بلا تكذيب، فلا بد أن يكون الإيمان تصديقًا مع موافقة وموالاة وانقياد، لا يكفي مجرد التصديق [2] .
الرابع: أن الحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر، أو الذوات التي تحب أو تبغض، وتوالى أو تعادى، وتطاع أو تعصى، ويذل لها أو يستكبر عنها، تختص كل هذه المعاني بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب؛ لأن التصديق إخبار عن صدق المُخبر، والتكذيب إخبار عن كذب المخبر، فهما نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر، لذا فهما يستخدمان في إثبات أو نفي الخبر المتعلق بالحقائق دون الحقائق ابتداء [3] .
ويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر:"اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم"فقال: إيمانًا بك، ولم يقل: تصديقًا بك، كما قال: تصديقًا بكتابك. وقال تعالى عن مريم: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ) (التحريم: 12) فجعل التصديق بالكلمات والكتب [4] .
(1) الإيمان، لابن تيمية، ص277.
(2) الإيمان، لابن تيمية، ص277.
(3) الإيمان الأوسط، ص73، 74.
(4) الإيمان الأوسط، ص74، 75.