الصفحة 16 من 237

والشارع قد استعمل الألفاظ أيضًا مقيدة لا مطلقة، كقوله تعالى: (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) (آل عمران: 97) وكذلك قوله: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ) (البقرة: 158) . فذكر حجًا خاصًا وهو حج البيت، فلم يكن لفظ الحج متناولًا لكل قصد، بل لقصد مخصوص دل عليه اللفظ نفسه من غير تغيير، فالحج المخصوص الذي أمر الله به دلت عليه الإضافة أو التعريف باللام، فإذا قيل: الحج فرض عليك، كانت لام العهد تبين أنه حج البيت [1] .

وكذلك لفظ الزكاة، بين النبي صلى الله عليه وسلم مقدار الواجب، وسماها الزكاة المفروضة، فصار لفظ الزكاة إذا عرف باللام ينصرف إليه لأجل العهد، ولفظ الإيمان أمر به مقيدًا بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وكذلك لفظ الإسلام بالاستسلام لله رب العالمين، وكذلك لفظ الكفر مقيدًا، فخطاب الله ورسوله للناس بهذه الأسماء، كخطاب الناس بغيرها، وهو خطاب مقيد خاص لا مطلق يحتمل أنواعًا [2] .

وقد بين الرسول تلك الخصائص، والاسم دل عليها، فلا يقال إنها منقولة، ولا إنه زيد في الحكم دون الاسم، بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع، لم يستعمل مطلقًا، وهو إنما قال: (أقيموا الصلاة) بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها، فكان التعريف منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، لم ينزل لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه، وكذلك الإيمان والإسلام وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور [3] .

فالواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل في القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله [4] .

* الأصل الثاني: أن لفظ الإيمان ليس مرادفًا للفظ التصديق معنى واستخدامًا:

وأما عن الأصل الثاني: فإن لفظ الإيمان يباين لفظ التصديق، سواء من حيث مواقع الاستخدام في اللغة أو من حيث المعنى. فأما من حيث الاستخدام فإن الإيمان يختلف عن التصديق من عدة وجوه:

أحدها: أن يقال للمخبر إذا صدقته صدقة، ولا يقال آمنه وآمن به، بل يقال آمن له، كما قال تعالى: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ) (العنكبوت: 26) . وقال: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) (يونس: 83) [5] .

فإن قيل: فقد يقال: ما أنت بمصدق لنا؟ قيل: اللام تدخل على ما يتعدى بنفسه إذا ضعف عمله، إما بتأخيره، أو بكونه اسم فاعل أو مصدرًا، أو باجتماعهما فيقال: فلان يعبد الله ويخافه ويتقيه، ثم إذا ذكر باسم الفاعل قيل: هو عابد لربه، متق لربه، خائف لربه [6] فقول القائل: ما أنت بمصدق لنا، أدخل فيه اللام كونه اسم فاعل، وإلا فإنما يقال: صدقته، لا يقال: صدقت له، ولو ذكروا الفعل لقالوا: ما صدقتنا، وهذا بخلاف لفظ الإيمان، فإنه يتعدى إلى الضمير باللام دائمًا، لا يقال: آمنته قط، وإنما يقال: آمنت له، كما يقال: أقررت له، فكان تفسيره بلفظ الإقرار أقرب من تفسيره بلفظ التصديق، مع أن بينهما فرقًا [7] .

الثاني: أن الإيمان لا يستعمل في جميع الإخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الإخبار [8] فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت، فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال كذب. وأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب [9] ، فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر، كالأمر الغائب الذي يؤتمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ، آمن له، إلا في هذا النوع [10] ، فاللفظ متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة، كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قالوا: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا)

(1) الإيمان، لابن تيمية، ص383.

(2) الإيمان، لابن تيمية، ص284، 285.

(3) الإيمان، لابن تيمية، ص285، 286.

(4) الإيمان، لابن تيمية، ص101.

(5) الإيمان، لابن تيمية، ص275، والإيمان الأوسط ص71.

(6) الإيمان، لابن تيمية، ص275، والأوسط ص 72.

(7) الإيمان، لابن تيمية، ص276، والإيمان الأوسط ص72.

(8) الإيمان، لابن تيمية، ص276، والإيمان الأوسط، ص71.

(9) الإيمان، لابن تيمية، ص276.

(10) الإيمان، لابن تيمية، ص276.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت