فهرس الكتاب
وإما يُقصد بأهل اللغة نقلتها، كأبي عمرو والأصمعي والخليل ونحوهم، فهؤلاء لا ينقلون كل ما كان قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من العرب في زمانهم، وما سمعوه في دواوين الشعر وكلام العرب وغير ذلك بالإسناد، ولا نعلم فيما نقلوه لفظ الإيمان، فضلًا عن أن يكونوا أجمعوا عليه، بل نسأل: من نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع؟ وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ [1] .
بل إن بعضهم يذهب إلى أن الإيمان في اللغة مأخوذ من الأمن الذي هو ضد الخوف [2] ، والبعض الآخر يذهب إلى أنه بمعنى الإقرار وغيره [3] .
ولو قدر أن بعضهم نقل كلامًا عن العرب يفهم منه أن الإيمان هو التصديق، فهم آحاد لا يثبت بنقلهم تواتر، بل نقلهم ذلك ليس بأبلغ من نقل المسلمين كافة لمعاني القرآن عن النبي صلى الله عليه وسلم [4] إذا ينبغي للمسلم أن يقدر قدر كلام الله ورسوله، بل ليس لأحد أن يحمل كلام أحد من الناس إلا على ما عرف أنه أراده، لا على ما يحتمله ذلك اللفظ في كلام كل أحد [5] .
فنحن لا حاجة بنا مع بيان الرسول لما بعثه الله به من القرآن أن نعرف اللغة قبل نزول القرآن، والقرآن نزل بلغة قريش، والذين خوطبوا به كانوا عربًا، وقد فهموا ما أريد به، وهم الصحابة، ثم الصحابة بلغوا لفظ القرآن ومعناه إلى التابعين، حتى انتهى إلينا، فلم يبق بنا حاجة إلى أن تتواتر عندنا تلك اللغة من غير طريق تواتر القرآن [6] .
إن الألفاظ لا ينطق بها ولا تستعمل إلا مقيدة، إذ لا يوجد في الكلام حال إطلاق محض للألفاظ، بل الذهن يفهم من اللفظ في كل موضع ما يدل عليه اللفظ في ذلك الموضع [7] .
(1) الإيمان، لابن تيمية، ص117.
(2) الإيمان، لابن تيمية، ص278.
(3) الإيمان، لابن تيمية، ص117.
(4) الإيمان، لابن تيمية، ص118.
(5) الإيمان، لابن تيمية، ص33.
(6) الإيمان، لابن تيمية، ص119.
(7) الإيمان، لابن تيمية، ص101.