الصفحة 195 من 237

ثم ذهبت طائفة من غلاتهم وهم الجهمية ومن وافقهم -وبناء على مذهبهم بخروح عمل القلب من الإيمان وقصره على مجرد العلم والتصديق الخبري -إلى لوازم غاية في الشذوذ والغرابة خالفوا بها جمهور المسلمين، بل وجمهور العقلاء.

* بعض الأقوال واللوازم التي تلزم المرجئة:

ونحن نستعرض الآن بعض الأقوال واللوازم التي التزمها المرجئة أو التي تلزمهم بناء على أصلهم الفاسد بإخراج العمل عن مسمى الإيمان سواء الظاهر منه أو الباطن، ونعرض لبعض الشبهات التي تمسكوا بها دفاعًا عن مذهبهم، ووجهة نظر أهل السنة في هذه المقولات واللوازم والشبهات.

*"عند الجهمية إذا كان العلم في قلبه فهو مؤمن كامل الإيمان، إيمانه كإيمان النبيين، ولو قال وعمل ماذا عسى أن يقول ويعمل، ولا يتصور عندهم أن ينتفي عنه الإيمان، إلا إذا زال العلم من قلبه، وقالوا لا يكون واحدًا كافرًا إلا إذا ذهب ما في قلبه من التصديق. والتزموا أن كل من حكم الشرع بكفره، فإنه ليس في قلبه شيء من معرفة الله ولا معرفة رسوله، ولهذا أنكر هذا عليهم جماهير العقلاء، وقالوا هذا مكابرة وسفسطة" [1] .

*"وعندهم أيضًا أن الإنسان قد يكون مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسبّ الله ورسوله، ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة. قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن. قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار، لأن هذه الأقوال أمارة على الكفر ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به وبخلاف ما شهد به الشهود."

فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه. فالكفر

(1) الإيمان، ص137 وبعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت