الصفحة 204 من 237

التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بجسب القدرة، فإن من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبًا جازمًا، وهو قادر على مواصلته ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك.

-فإن قال قائل: اسم الإيمان إنما يتناول الأعمال مجازًا. قيل له: (أولًا) ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازًا. بل هذا أقوى، لأن خروج العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونًا باسم العمل، وأما دخوله فيه، فإذا أفرد كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" [1] ، فاسم الإيمان دلالته على العمل مع الاقتران به أولى باسم المجاز من دلالته عليه عند التجريد والاقتران.

وقيل له: (ثانيًا) قولك: إن دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز. نزاع لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه الأعمال لوازم الإيمان الواجب، الذي في القلب وموجباته كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيًا.

وإن قلت -ما هو حقيقة قول جهم واتباعه- من أنه يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر، وترك جميع الواجبات الظاهرة، قيل لك: فهذا يناقض قولك: إن الظاهر لازم له وموجب له، بل تكون حقيقة قولك: إن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى، فليس باللازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دلّ على وجود الباطن، وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا أيضًا خطًا عقلًا كما هو خطأ شرعًا.

فإن الأعمال الظاهرة الصالحة لا تكون ثمرة للإيمان الباطن ومعلولة له، إلا إذا كان موجبًا له ومقتضيًا لها، وحينئذ فالموجب لازم لموجبه والمعلول لازم لعلته، وإذا نقصت الأعمال الظاهرة الواجبة كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة، بل يلزم من وجود هذا كاملًا وجود هذا كاملًا، كما يلزم من نقص هذا نقص هذا، إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب تام بلا موجبه، وعلة تامة بلا معلوها، وهذا ممتنع بصريح المعقول وصحيح المنقول" [2] ."

(1) سبق تخريجه.

(2) الإيمان، ص185 وبعدها. الإيمان الأوسط، ص92 وبعدها. وص 127 وبعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت