فهرس الكتاب
(الثالث) أن الإيمان عبارة عن اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد. وهو قول النظام ومن أصحابه من قال: شرط كونه مؤمنًا عندنا وعند الله اجتناب كل الكبائر.
وأما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول معرفة الله تعالى ومعرفة كل ما نصب الله عليه دليلًا عقليًا أو نقليًا، ويتناول طاعة الله تعالى في جميع ما أمر به ونهى، صغيرًا كان أو كبيرًا. قالوا: مجموع هذه الأشياء هو الإيمان.
ويقرب من مذهب المعتزلة مذهب الخوارج، ويقرب من مذهبهما ما ذهب إليه السلف وأهل الأثر، أن الإيمان عبارة عن مجموع ثلاثة أشياء: التصديق بالجنان، والإقرار باللسان، والعمل بالأركان. إلا أن بين هذه المذاهب فرقًا وهو: أن من ترك شيئًا من الطاعات، سواء كان من الأفعال أو الأقوال خرج من الإيمان عند المعتزلة ولم يدخل في الكفر، بل وقع في مرتبة بينهما يسمونها: منزلة بين المنزلتين [1] وعند الخوارج دخل في الكفر، لأن ترك كل واحدة من الطاعات كفر عندهم. وعند السلف لم يخرج من الإيمان" [2] ."
* لكن المعتزلة ظنت أنه إذا انتفى الاسم [3] انتفت جميع أجزائه فلم يجعلوا معهم شيئًا بين الإيمان والإسلام فجعلوهم مخلدين في النار.
وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف، ولو لم يكن معهم شيء من الإيمان والإسلام، لم يثبت في حقهم شيء من أحكام المؤمنين والمسلمين، لكن كانوا كالمنافقين، وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع التفريق بين المنافق الذي يكذب الرسول في الباطن، وبين المؤمن المذنب، فالمعتزلة سووا بين أهل الذنوب وبين المنافقين في أحكام الدنيا والآخرة، في نفي الإسلام والإيمان عنهم، بل قد يثبتونه للمنافق ظاهرًا، وينفونه عن المذنب باطنًا وظاهرًا" [4] ."
*"المعتزلة -الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري وهم: عمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء الغزال وأتباعهما- قالوا: أهل الكبائر مخلدون في النار، كما قالت الخوارج، ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفارًا، بل فساق، ننزلهم منزلة بين منزلتين. وأنكروا شفاعة النبي"
(1) فهو ليس في منزلة المؤمنين فيدخل الجنة معهم، ولا في منزلة الكافرين فيستحق اسمهم، وإن كان يخلد في النار مثلهم.
(2) عمدة القاري، جـ1 ص103،104.
(3) أي انتفاء اسم الإيمان عن أصحاب الذنوب.
(4) الإيمان، ص405، 406.