الصفحة 219 من 237

كذلك من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات، كما قال تعالى: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) ، فلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة، ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا.

3 -وأيضًا فقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في أنه يخرج أقوام من النار بعد ما دخلوها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أقوام دخلوا النار. وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين:"الوعيدية"الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج منها. وعلى"المرجئة الواقفة"الذين يقولون: لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد أم لا؟! وأما ما يذكر عن"غلاة المرجئة"أنهم قالوا: لن يدخل النار من أهل التوحيد أحد. فلا نعرف قائلًا مشهورًا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول.

4 -وأيضًا فإن الذين قذفوا عائشة -أم المؤمنين- كان فيهم مسطح بن أثاثة، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لايصله: (وَلَا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) . وإن قيل أن مسطحًا وأمثاله تابوا، لكن الله لم يشرط في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة.

وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أراد عمر قتله، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟" [1] .

وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال:"لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة" [2] .

وهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل، وإذا قيل: هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن له إلا صغائر، لم يكن ذلك من خصائصه أيضًا.

5 -وأيضًا فقد دلت النصوص من الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بأسباب أخرى كثيرة غير التوبة منها: الاستغفار، والحسنات الماحية، ودعاء المؤمنين للمؤمن وصلاتهم على جنازته، وما يعمل للميت من أعمال البر كالصدقة ونحوها، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة، كما تواترت عنه أحاديث الشفاعة، والمصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا، وما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة، وأهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها، ورحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.

فإذا علم ذلك كله، كانت دعواهم أن عقوبات أهل الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة دعوى باطلة" [3] ."

* شبهة للخوارج وجواب أهل السنة عنها:

قال بعضهم: إن الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة كما جاء في بعض الأحاديث"ما اجتنبت الكبائر".

فيجاب عن هذا بوجوه:

(أحدها) أن هذا الشرط جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: (إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فالفرائض مع ترك الكبائر مقتضية لتكفير السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات فلا بد أن يكون لها ثواب آخر، فإن الله سبحانه يقول: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) .

وقد جاء في غير حديث:"إن أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يصنع بسائر أعماله كذلك" [4] . ومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون لترك مستحب، فإن ترك المستحب لا يحتاج إلى جيران، ولأنه لا فرق حينئذ بين ذلك المستحب المتروك والمفعول، فعلم أنه يكمل نقص الفرائض من التطوعات.

(الثاني) أنه قد جاء في التصريح في كثير من الأحاديث بأن المغفرة قد تكون مع الكبائر، كما في قوله صلى الله عليه وسلم:"غفر له وإن كان فرّ من الزحف" [5] . وفي السنن:"أتينا رسول"

(1) متفق عليه.

(2) مسلم.

(3) الإيمان الأوسط، ص23 - 43.

(4) صحيح، رواه الترمذي وابن ماجه. صحيح الجامع (2020) .

(5) رواه أبو داود وقال المنذري إسناده جيد متصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت