فهرس الكتاب
"وقد احتجوا أيضًا ببعض الأحاديث، التي حملوها على ظاهرها من وجهة نظرهم المريضة، فخرجوا منها بتكفير مرتكب الكبيرة وأنه إذا مات قبل التوبة منها فهو مخلّد في النار محرم عليه الجنان، وهذه الأحاديث عدة أنواع:"
1 -نوع منها ينفي الإيمان عمن ارتكب المعاصي، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد" (متفق عليه واللفظ لمسلم) .
2 -ونوع يتبرأ فيه النبي صلى الله عليه وسلم ممن ارتكب بعض المعاصي، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا" (مسلم) .
3 -ونوع يسمى فيه بعض المعاصي كفرًا أو شركًا، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" (متفق عليه) . وقوله:"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (متفق عليه) . وقوله:"من خلف بغير الله فقد أشرك" [1] (أحمد والترمذي والحاكم) .
4 -ونوع يحرم فيه الجنة عمن ارتكب بعض المعاصي، مثل قوله صلى الله عليه وسلم:"من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام" [2] (ابن خزيمة) . وقوله:"من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة"فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال:"وإن كان قضيبًا من أراك" [3] (ابن خزيمة) . وقوله:"لا يدخل الجنة نمام ولا عاق ولا مدمن خمر" [4] (ابن خزيمة) .
ولأهل السنة عن ذلك أجوبة نثبت أشهرها:
1 -أما عن النوع الأول من الأحاديث فيقول الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام:"وإن الذي عندنا في هذا الباب كله أن المعاصي والذنوب لا تزيل إيمانًا وتوجب كفرًا، ولكنها إنما تنفي عن الإيمان حقيقته [5] وإخلاصه الذي نعت الله به أهله واشترطه عليهم في مواضع من كتابه، مثل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ"
(1) حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان والحاكم وأقره الذهبي وقال الألباني صحيح.
(2) البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود وابن ماجه.
(3) مسلم ومالك في الموطأ.
(4) صحيح، النسائي، صحيح الجامع (7676) .
(5) أي إن هذه النصوص تنفي كمال الإيمان الواجب والمستحب ولا تنفي أصله.