الصفحة 223 من 237

يزيلان الإيمان عن صاحبه، إنما وجوهها أنها من الأخلاق والسنن التي عليها الكفار والمشركون"اهـ [1] ."

4 -وأما النوع الأخير من الأحاديث. فيقول الإمام ابن خزيمة:"معنى هذه الأخبار إنما هو على أحد معنيين:"

(أحدهما) لا يدخل الجنة أي بعض الجنان، إذ النبي صلى الله عليه وسلم قد أعلم أنها جنان من جنة، واسم الجنة واقع على كل جنة منها، فمعنى هذه الأخبار التي ذكرها من فعل كذا لبعض المعاصي حرم الله عليه الجنة أو لم يدخل الجنة، فمعناه لا يدخل فبعض الجنان التي هي أعلى وأشرف وأنبل وأكثر نعيمًا وسرورًا وبهجة وأوسع، لأنه أراد لا يدخل شيئًا من تلك الجنان التي هي الجنة.

وعبد الله بن عمرو قد بيّن خبره الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم:"لا يدخل الجنة عاق ولا منان ولا مدمن خمر" [2] ، أنه إنما أراد حظيرة القدس من الجنة. عن عبد الله بن عمرو أنه قال:"لا يدخل حظيرة القدس سكير ولا عاق ولا منان" [3] .

فمعنى هذه الأخبار التي فيها ذكر بعض الذنوب الذي يرتكبه بعض المؤمنين، أن مرتكبه لا يدخل الجنة، معناها: لا يدخل العالي من الجنان، التي هي دار المتقين الذين لم يرتكبوا تلك الذنوب والحوبات والخطايا.

عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أن الربيع أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أنبئني عن حارثة، أصيب يوم بدر، فإن كان في الجنة صبرت واحتسبت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء، فقال:"يا أم حارثة، إنها جنان في جنة، وإنه أصاب الفردوس الأعلى" [4] .

فيجوز أن يقول صلى الله عليه وسلم: من فعل كذا وكذا لم يدخل الجنة، يريد لم يدخل الجنة التي يدخلها من لم يرتكب هذه الحوبة، لأنه يحبس عن دخول الجنة إما للمحاسبة على الذنب، أو لإدخاله النار ليعذب بقدر ذلك الذنب، إن كان ذلك الذنب مما يستوجب به المرتكب النار، إن لم يعف الله ويصفح ويتكرم فيغفر ذلك الذنب.

(1) كتاب الإيمان، للإمام أبي عبيد أبي القاسم بن سلام، ص89 وبعدها، بتحقيق الألباني.

(2) صحيح، الطيالسي (2295) وقال البغوي: سنده قوي. السلسلة الصحيحة (673) .

(3) البخاري.

(4) البخاري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت