الصفحة 226 من 237

التصديق أو عنصر الانقياد، وإما ظاهرًا بالامتناع عن الإعلان عن الإيمان باللسان [1] أو بالتلبس -قولًا أو فعلًا- بكفر أكبر لنا فيه من الله برهان.

وأما عن فروع الإيمان وشعبه المتصلة بهذا الأصل والقائمة عليه من إتيان المأمورات وترك المنهيات، فذهبوا إلى أنها تؤثر في الإيمان إيجابًا ويلبًا، فبقدر ما يأتي العبد -الذي حقق أصل الإيمان- من مأمورات واجبات ومستحبات ظاهرة وباطنة، ويدع من منهيات -محرمات ومكروهات ومتشابهات- ظاهرة وباطنة، بقدر ما ينمو إيمانه ويزيد تصديقًا وانقيادًا ويرتفع بمقام صاحبه في الجنة، وبقدر ما يدع من مأمورات، ويأتي من منهيات، بقدر ما يضعف إيمانه وينقص تصديقًا وانقيادًا ويعرض صاحبه للعذاب في النار.

فالإيمان عندهم قول وعمل أيضًا في الإيمان الكامل بالواجبات -أي إتيان كل الواجبات وترك كل المحرمات- الذي ينجو به صاحبه من دخول النار ابتداء، وفي الإيمان الكامل بالمستحبات، الذي يرتفع بصاحبه مقامًا في الجنة.

وذهبوا إلى أن كل كفر يصيب الإيمان في فروعه وشعبه دون أصله، فهو كفر أصغر أو كفر دون كفر لا يخرج بصاحبه عن ملة الإسلام، وكل من مات على معصية -من الموحدين- مصرًا عليها، فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فبعض العصاة يغفر اللهم لهم -بعلمه وحكمته ومشيئته- ويدخلهم الجنة ابتداء، والبعض الآخر يدخلون النار ويتفاوتون فيها مُكثًا ومقامًا كل حسب معصيته، حتى يخرجوا منها بالشفاعة ويدخلون الجنة خالدين فيها مع بقية الموحدين.

وذهبوا إلى أن النفاق كالكفر بعضه يصيب الإيمان في فروعه وشعبه فلا يخرج بصاحبه عن الملة، وبعضه يصيبه في أصله فينقضه ويخرج بصاحبه عن دائرة الملة، وهذا الأخير الذي يصيب الإيمان في أصله، إما يصيبه في مقتل فيموت في قلب صاحبه الذي يعيش مؤمنًا بلسانه وظاهره كافرًا بقلبه وباطنه، وإما يتصارع معه صراع حياة أو موت متذبذبًا بقلب صاحبه على الحد الفاصل بين الإيمان والكفر، فلا يلقى الله إلا وقد غلب أحدهما على الآخر، سواء انعكس ذلك على ظاهره أم لم ينعكس.

(1) راجع عارض الإكراه وعارض النفاق في هذا البحث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت