الصفحة 227 من 237

وذهبت طائفة من أهل السنة -وهم الحنفية ومن تابعهم- إلى أن (حقيقة) الإيمان ليست مركبة، وإنما ماهية الإيمان وكنهه عندهم عبارة عن معنى مجرد لا يقبل الزيادة أو النقص، بل يقبل الوجود أو العدم. فكانت نظرتهم تلك أقرب إلى النظرة الرياضية المجردة لحقائق الأشياء -من حيث هي معان فكرية ذهنية مجردة- منها إلى النظرة العملية الواقعية البعيدة عن التعقيدات العقلية والتي تبحث في مجال لا تملك لوحدها أدوات الجزم واليقين فيه.

وعلى ذلك وبينما ذهب جمهور السلف والأئمة إلى أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فقد ذهب الحنفية إلى أن الإيمان (واحد) ، وأن أهله في أصله سواء، وأن أصله هذا هو (التصديق) الذي يرتفع بصاحبه عن دركة (الشك) من جهة، والذي يدفع به إلى درجة (الانقياد) والطاعة والخضوع والاستسلام والالتزام من جهة أخرى ..

فالتصديق عندهم إذن ليس التصديق الخبري المجرد -أي مجرد نسبة الصدق إلى الخبر أو المُخبر- وإنما هو التصديق الإذعاني المستلزم للخضوع والانقياد.

فالذي يتحقق عنده (الإيمان) أو (التصديق) عندهم، سوف يسارع حتما إلى الإعلان عن ذلك بلسانه والانخلاع ظاهرًا وباطنًا عن كل ما ينقض هذا (التصديق) من قول أو فعل أو اعتقاد.

وبناء على هذا التصور (لحقيقة) الإيمان فإن كل ما زاد على هذا الأصل من أقوال أو أعمال باطنة أو ظاهرة فهي عندهم من (لوازم) أو (ثمرات) أو (نتائج) الإيمان، ولكنها ليست من ماهيته أو مسماه، وإن كانت قد يطلق عليها الاسم أو يشملها من باب (المجاز) وليس على الحقيقة، ودون أن يغض هذا من قيمتها وأثرها وجودًا أو عدمًا.

وهكذا نرى أن الاختلاف بين الحنفية وبين بقية السلف والأئمة (على تعريف الإيمان) اتلاف لا ينبني عليه أي اختلاف شرعي سواء في أحكام الدنيا أو في أحكام الآخرة، ومآلات العباد فيها.

فلا خلاف بين الجميع على أن المطلوب من العبد (لتحقيق) الإيمان هو التصديق والانقياد والإعلان باللسان والانخلاع عن النواقض الظاهرة والباطنة.

ولا خلاف بين الجميع على أن الله أراد من العباد القول والعمل جميعًا، وأن الإيمان بدون العمل المفروض، أو مع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت