فهرس الكتاب
ولا خلاف بين الجميع على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة، كما جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك.
ولا خلاف بين الجميع على أن المؤمنين درجاتهم متفاوتة، فمنهم من يعذب أولًا في النار بقدر ذنبه أو تقصيره قبل أن يدخل الجنة، ومنهم من يدخل الجنة مباشرة، ومقامات المؤمنين تتفاوت في الجنة تفاوتًا عظيمًا، فبقدر ما يأتي العبد من الطاعة الظاهرة والباطنة بقدر ما يرتفع مقامه ودرجاته في الجنة.
وذهب المرجئة -ومن منطلقات عقلية ولغوية بحتة- إلى أن الإيمان هو"التصديق"لأن العرب أصحاب اللغة أنفسهم لم يعرفوا -بزعمهم- للإيمان معنى غير هذا. ثم اختلفوا على المقصود"بالتصديق"، فذهب جمهورهم إلى أن المقصود به التصديق الإذعاني المستلزم للقبول والانقياد، فاتفقوا بذلك مع أهل السنة كلهم على لزوم عمل القلب لتحقق الإيمان، ومع الحنفية منهم على الماهية أوا لمسمى الذي يطلق عليه اسم"الإيمان"، وهو"التصديق"بالقلب و"النطق"باللسان، على الخلاف المشهور في أن النطق باللسان هل هو شطر أم شرط؟
ولكن مشكلة جمهور المرجئة الحقيقية وخلافهم الأساسي مع أهل السنة، هو توقفهم في قيمة العمل الظاهر بالجوارح، حيث لم يلتزموا بقاعدة أهل السنة في تلازم الظاهر والباطن، لأن الإيمان عندهم حقيقة مجردة أو معنى واحد إما أن يقوم كله أو يسقط كله، فإن هم أدخلوا الأعمال الظاهرة في معنى الإيمان لزمهم أن يقولوا بزوال الإيمان كله جملة واحدة بزوال أحد إجزائه الظاهرة، إما بترك أمر أو ارتكاب محرم!! ولكنهم فروا من ذلك اللازم، بأن أخرجوا العمل الظاهر بالجوارح عن مسمى الإيمان، فسقطوا في لازم آخر، وهو أن ترك الأمر أو ارتكاب المحرّم لا يؤثر في الإيمان.
فما هو الموقف تجاه الأوامر والنواهي؟!
اختلفوا أمام هذا التساؤل: فذهب البعض مذهب مرجئة الفقهاء -وهم فقهاء المرجئة- فقالوا إن الأعمال الظاهرة بالجوارح مطلوبة لذاتها، وأنها من ثمرات الإيمان وإن كانت ليست جزءًا منه، وهي تدخل في ميزان العبد يوم القيامة. فهؤلاء أخرجوا العمل الظاهر بالجوارح عن مسمى الإيمان اسمًا، ولكنهم عادوا فاعتبروه حكمًا.