فهرس الكتاب
وذهب البعض الآخر -وهم جمهور المرجئة- إلى التوقف في قيمة العمل الظاهر بالجوارح إيجابًا وسلبًا، فلزمهم أن يتوقفوا أيضًا في أحاديث الشفاعة وفي دخول جملة من عصاة الموحدين إلى النار بذنوبهم، ثم خروجهم منها ودخولهم الجنة بالتوحيد وبالشفاعة.
ونسب إلى بعض الغلاة منهم الجزم بنفي ذلك بالمقولة المشهورة: (لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة) وإن كان لا يُعرف لها قائل معين!
وذهبت طائفة قليلة من المرجئة -وهم الجهمية ومن وافقهم- إلى قصر الإيمان على مجرد المعرفة أو العلم أو التصديق الخبري المجرد -أي مجرد معرفة صدق المخبر أو الخبر- فكانت هي الفرقة الوحيدة التي أسقطت عنصر عمل القلب من مسمى الإيمان فشذت بذلك عن إجماع جماهير الأمة!
ولقد أدى بهم ذلك إلى التزام لوازم شاذة لم يقل بها أحد غيرهم، فالمرء عندهم مؤمن كامل الإيمان من أهل الجنة إذا حقق المعرفة بقلبه وانتفى عنه الجهل بالله!! حتى ولو أعلن الكفر بلسانه، أو عبد الصليب أو الأوثان، أو أهان المصحف، أو سب الله ورسوله، أو قتل الأنبياء، أو أتى غير ذلك مما هو كفر لا يختلف عليه بين المسلمين، وقالوا: هو كافر في الظاهر لإجراء الأحكام في الدنيا على مقتضى الظواهر، ولكنه على الحقيقة قد يكون مؤمنًا كامل الإيمان! ولا يكون كافرًا على الحقيقة إلا إذا تخلف عنده العلم أو المعرفة أو التصديق، فالإيمان عندهم هو فقط العلم بالله، والكفر هو فقط الجهل به!
وذهب الخوارج والمعتزلة إلى أن الإيمان معنى واحد، إما أن يقوم كله أو يسقط كله، فاتفقوا بذلك مع المرجئة من جهة ولكنهم خالفوهم من جهة أخرى، فقالوا: إن حقيقة الإيمان عبارة عن حقيقة مركبة من الاعتقاد بالقلب والنطق باللسان والعمل بالجوارح، فاتفقوا في ذلك مع أهل السنة والجماعة، حيث أدخلوا العمل الظاهر بالجوارح في مسمى الإيمان، ولكنهم عادوا فخالفوا أهل السنة في أحكام العصاة من الموحدين، فذهبوا إلى أن المؤمن إذا عصى ربه فترك أمرًا أو أتى منهيًا فقد ذهب جزء من إيمانه ومن ذهب جزء من إيمانه فقد ذهب كل إيمانه، لأن الإيمان لا يقبل التبعض أو التجزؤ. فسماه الخوارج كافرًا وحكموا عليه بالخلود في النار مع عموم الكافرين إذا مات مصرًا على المعصية غير تائب منها. وسماه المعتزلة فاسقًا وأنزلوه منزلة بين المنزلتين (منزلة الإيمان ومنزلة الكفر) وإن اتفقوا مع الخوارج على حكمه ومآله في الآخرة.