الصفحة 30 من 237

وقال عامة المعتزلة: إنه ليس بمؤمن ولا كافر. وقال أبو هاشم: إنه كافر. فعندهم إنما يحكم بإيمانه إذا عرف ما يجب الإيمان به من أصول الدين، بالدليل العقلي على وجه يمكنه مجادلة الخصوم وحل جميع ما يورد عليه من الشبه، حتى إذا عجز عن شيء من ذلك لم يحكم بإسلامه [1] .

العنصر الثاني: الإقرار باللسان:

الإقرار باللسان عند السلف عنصر أصلي من عناصر الإيمان، فلا يتصور تحقق الإيمان القلبي التام -من قول القلب وعمله- دون تحقق الإقرار باللسان، فهو على هذا الأساس يكون من جهة، عبارة عن"إنشاء"عقد جديد يتضمن الالتزام والانقياد، ومن جهة أخرى يكون عبارة عن"إخبار"عما في النفس من اعتقاد.

فمن استخدم لفظ"الإقرار بمعناه العام هذا -من الإخبار والالتزام- وقال إن الإيمان هو الإقرار، فالخلاف معه خلاف لفظي، ومن استخدم اللفظ في المعنى الأخير وحده -وهو الإخبار- لزمه في تعريف الإيمان أن يضيف إليه الاعتقاد بالقلب."

يقول ابن تيمية:"ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:"

أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق، والشهادة، ونحوهما. وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.

والثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: (أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) (آل عمران: 81) وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد ... فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول -وكذلك لفظ الإيمان- فيه إخبار وإنشاء التزام"اهـ [2] ."

فالإقرار باللسان إذن نتيجة تلقائية للتعبير عن تحقق الإيمان القلبي من تصديق بالحق وانقياد له."ولذلك فإن العرب لا تعرف في لغتها التصديق والتكذيب إلا ما كان معنى ولفظًا أو لفظًا يدل على معنى، فلا يوجد في كلام العرب أن يقال: فلان صدّق فلانًا أو كذّبه إذا كان يعلم بقلبه أنه صادق أو كاذب ولم يتكلم بذلك. فمن لم يصدق بلسانه مع"

(1) عمدة القاري، جـ1 ص106، 107.

(2) الإيمان الأوسط، ص72، 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت