الصفحة 31 من 237

القدرة لا يسمى في لغة القوم مؤمنًا، كما اتفق على ذلك سلف الأمة من الصحابة والتابعين لهم بإحسان. فمن صدق ببقلبه ولم يتكلم بلسانه فإنه لا يعلق به شيء من أحكام الإيمان لا في الدنيا ولا في الآخرة، إذ لم يجعل الله أحدًا مصدقاُ للرسل بمجرد العلم والتصديق الذي في قلوبهم، حتى يصدقوهم بألسنتهم. ولهذا كان القول الظاهر من الإيمان الذي لا نجاة للعبد إلا به عند عامة السلف والخلف من الأولين والآخرين، حيث اتفق المسلمون على أن من لم يأتِ بالشهادتين مع القدرة على ذلك فهو كافر، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها" [1] ."

يقول البدر العيني:"اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين على ما قاله النووي: إن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خياليًا من الشكوك، ونطق مع ذلك بالشهادتين."

قال: فإن اقتصر على أحدهما لم يكن من أهل القبلة أصلًا، بل يخلد في النار، إلا أن يعجز عن النطق لخلل في لسانه، أو لعدم التمكن منه لمعاجلة المنية، أو لغير ذلك، فإنه حينئذ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ"اهـ [2] ."

* ولا بد أن نقرر هنا -وبناء على كل ما سبق- أن التلفظ بالشهادتين إذن ليس مقصوداّ لذاته، وإنما المقصود هو الإعلان عن تحقيق مدلولهما من:

-الإقرار بالتوحيد (ولوازمه من النبوة والبعث) .

-ترك الشرك والتبري منه.

-التزام شرائع الإسلام.

فإذا لم تعبر الشهادة عن نفس هذه المعاني لم تقبل من قائلها [3] ، حتى تكون تعبيرًا واقعيًا عن مدلولها. وإذا عبر عن نفس هذه المعاني بكلمات أخرى قبلت من قائلها [4] ، حتى يلقن الشهادتين أو يتعلمهما أو يحسن التكلم بهما.

(1) راجع: الإيمان. لابن تيمية، 126، 131، 135، 207، 287. وراجع: الإيمان الأوسط، ص95، 151.

(2) عمدة القاري، جـ 1 ص110.

(3) كأن تصدر مثلًا ممن يعتقد أن الأولياء يديرون الكون نيابة عن الله! أو ممن يعبد الموتى والقبور أو ممن يحاكم الناس إلى حكم الجاهلية وشريعتها!

(4) كأن يقول مثلا: أسلمت، أو دخلت في دين الإسلام، أو تبرأت من كل دين يخالف دين الإسلام، وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت