الصفحة 58 من 237

فإذا ما حقق العبد ذلك فأدى كل ما وجب عليه وانتهى عن كل ما حرم عليه ظاهرًا وباطنًا فقد حقق"الإيمان الواجب"عليه، واستحق اسم الإيمان المطلق، فإن مات على ذلك دخل الجنة بلا عذاب.

فإن زاد العبد على ذلك ما شاء الله له أن يزيد، بأن اجتنب المكروهات ونأى بنفسه على المشتبهات، وأتى بالمستحبات بقدر ما ييسر الله له ذلك، فقد دخل في دائرة"الإيمان الكامل بالمستحبات" [1] ، وتفاوت العباد في هذه المرتبة يقابله تفاوتهم في درجات الجنة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

وكما ذكرنا قبلًا، فإن لفظ الإيمان إذا جاء مطلقًا في نصوص الشريعة في مجال الإثبات، فإنه يشمل كل درجات الإيمان من واجبات ومستحبات.

بينما لا ينفى الإيمان في النصوص إلا في مجال ترك الأفعال الواجبة، فإن تارك الأفعال المستحبة لا ينفى عنه الإيمان، فإذا ما نفت النصوص الإيمان عند انعدام بعض الأفعال علم أنها واحبة وأن تاركها معرض للوعيد. يقول ابن تيمية:"وأهل السنة والحديث يقولون: جميع الأعمال الحسنة واجبها ومستحبها من الإيمان. أي من الإيمان الكامل بالمستحبات، ليست من الإيمان الواجب. ويفرق بين الإيمان وبين الإيمان الكامل بالمستحبات."

كما يقول الفقهاء: الغسل ينقسم إلى مجزئ وكامل، فالمجزئ ما أتى فيه بالواجبات فقط، والكامل ما أتى فيه بالمستحبات. ولفظ الكمال قد يراد به الكمال الواجب، وقد يراد به الكمال المستحب" [2] ."

"إن أعمال القلوب التي يسميها بعض الصوفية أحوالًا ومقامات أو منازل السائرين إلى الله، أو مقامات العارفين أو غير ذلك، كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب، وفيها ما أحبه ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب. فالأول لا بد لكل مؤمن منه،"

(1) وهي دائرة"الإحسان". وتحقيق الإيمان الكامل بالواجبات هي دائرة"الإيمان"والإيمان المجمل يقف بصاحبه في دائرة"الإسلام". وسيأتي مناقشة ذلك تفصيلًا في العلاقة بين الإيمان والإسلام في الفصل العاشر إن شاء الله.

(2) الإيمان، لابن تيمية، ص186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت