الصفحة 59 من 237

ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار. أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين" [1] ."

وإذا ذكر اسم الإيمان مجردًا، دخل فيه الإسلام والأعمال الصالحة، كقوله في حديث الشعب:"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" [2] ، وكذلك سائر الأحاديث التي يجعل فيها أعمال البرّ من الإيمان.

ثم إن نفي الإيمان عند عدمها دل على أنها واجبة. وإن ذكر فضل إيمان صاحبها ولم ينف إيمانه دل على أنها مستحبة. فإن الله ورسوله لا ينفيان اسم مسمى أمر، أمر الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، كقوله:"لا صلاة إلا بأم القرآن" [3] ، وقوله:"لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له" [4] ، ونحو ذلك.

فأما إذا كان الفعل مستحبًا في العبادة، لم ينفها لانتفاء المستحب، فإن هذا لو جاز، لجاز أن ينفي عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة والحج، لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا أبو بكر وعمر. فلو كان من لم يأت بكملها المستحب يجوز نفيها عنه، لجاز أن ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل.

فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أنه نفى الكمال المستحب، فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع، فإن من فعل الواجب كما وجب عليه ولم ينقص من واجبه شيئًا، لم يجز أن يقال: ما فعله، لا حقيقة ولا مجازًا" [5] ."

"وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه قال:"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان"، فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة -يعني المبتدعة من مرجئة وغيرهم- ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن والصلاة والحج ونحو ذلك."

(1) الإيمان، لابن تيمية، ص180.

(2) مسلم.

(3) متفق عليه.

(4) صحيح، رواه أحمد في المسند، قاله الألباني في صحيح الجامع (7179) .

(5) الإيمان، لابن تيمية، ص11، 12.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت